بين الانهيار والعزلة… لبنان في اللحظة الأخطر

145

بقلم دافيد عيسى

في وقتٍ تعيد فيه الدول الكبرى رسم خرائط النفوذ والتوازنات في منطقتنا، لا تزال القوى السياسية في لبنان غارقة في سجالاتٍ عقيمة، خارج سياق التاريخ، وكأن البلاد تعيش في عزٍّ وأمن، لا على حافة الانهيار المالي والاقتصادي، وفي قلب حربٍ نعرف متى بدأت، لكننا لا نعرف متى ستنتهي.

سجالاتٌ وخلافات لا تُقدّم ولا تؤخّر في ظل ما يجري حولنا، تتبارى فيها غالبية القوى السياسية لتسجيل نقاطٍ على بعضها البعض، فيما الواقع يزداد خطورةً وتعقيدًا.

لم تعد المشكلة مجرّد خلافٍ سياسي طبيعي، بل تحوّلت إلى حالة إنكارٍ جماعي لحجم ما يحدث.

أما الأخطر، وبكل أسف، فهو أنه حين تجلس الأطراف المعنية بالحرب في المنطقة إلى طاولة التفاوض، سيكون لبنان خارج هذا المشهد، بلا موقعٍ على الطاولة، ولا قدرة على التأثير، ولا حتى “مرقد عنزة”.

هذا الواقع لا يمكن تغييره بالخطابات أو بالصراخ من فوق السطوح، بل يحتاج إلى مسارٍ واضح يبدأ من الداخل.

أولى الخطوات هي إعادة الاعتبار لفكرة الدولة، وأن يتولّى الجيش اللبناني وحده مهمة حماية البلاد.

فلا يمكن لأي دولة أن تستعيد حضورها فيما قرارها موزّع، وسلاحها متعدّد، ورؤيتها متناقضة.

من هنا، تبرز الحاجة إلى طاولة حوارٍ داخلية، تسبق أي طاولة إقليمية أو دولية قد تُعقد في أي لحظة، يقودها رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون.

حوار يبدأ من مسألة سلاح حزب الله، ولا ينتهي عندها، بل يشمل إعادة بناء الثقة، وتحصين المؤسسات، واستعادة القرار إلى كنف الدولة.

على أن يُرفق ذلك بإعلان التزامٍ خطّي من جميع الأطراف بنتائج هذا الحوار، تحت طائلة المحاسبة السياسية أمام الرأي العام، ضمن مهلة زمنية محدّدة لا تتجاوز ستة أشهر، وبرعاية دستورية واضحة، ومواكبة دولية ضامنة تحول دون تعطيله أو الالتفاف عليه.

فالدول لا تُبنى بازدواجية القرار، ولا يمكن لأي مكوّن أن يحمي نفسه خارج إطار الدولة إلى ما لا نهاية.

وهنا يُطرح سؤال بديهي:

هل إن حصرية السلاح بيد الدولة كفيلة بوقف الاعتداءات الإسرائيلية؟

الجواب الواقعي: لا يمكن لأحد أن يضمن ذلك.

لكن وجود سلاح خارج إطار الدولة، كما في حالة حزب الله، يوفّر لإسرائيل ذريعة لتبرير عملياتها العسكرية واعتداءاتها، واستهدافها للمدنيين والبنى التحتية، كما يُضعف موقع لبنان أمام المجتمع الدولي.

في المقابل، فإن حصر السلاح بيد الدولة يضع لبنان في موقعٍ مختلف كليًا؛ إذ يعزّز شرعيته، ويُحرج أي اعتداء عليه بوصفه استهدافًا لقواته العسكرية الشرعية، ويعيد الصراع إلى حجمه الحقيقي أمام العالم، بدل أن يبقى نزاعًا ملتبسًا تُستخدم فيه الذرائع لتبرير العنف.

ولا يمكن هنا إغفال ما يُتداول في الكواليس السياسية من تحذيراتٍ متزايدة حول احتمال انزلاق لبنان مجددًا إلى جولة تصعيد جديدة.

قد لا تكون هذه السيناريوهات حتمية، لكنها تعكس مناخًا مقلقًا يتحدث عن مواجهةٍ أشد ضراوة، قد لا تبقى محصورة في الجنوب، بل قد تمتد إلى مناطق أوسع، في ظل غياب أي ضمانات فعلية لتحييد المدنيين أو حماية البنى التحتية.

إن مجرد تداول مثل هذه التقديرات يجب أن يكون كافيًا لدق ناقوس الخطر، لا للتعامل معها بخفة أو إنكار، بل بوصفها مؤشرًا إضافيًا على أن استمرار الانقسام الداخلي يضع لبنان أمام مخاطر مفتوحة.

المطلوب اليوم ليس انتصار فريقٍ على آخر، بل إنقاذ وطنٍ يتهاوى.

والمعادلة باتت واضحة: إما أن نتوحّد حول مشروع دولة، أو نستمر في التفكك حتى نصبح مجرد ساحة تُدار من الخارج.

وعندها، لن يكون السؤال كيف ننهض، بل إن كان سيبقى لنا مكان، لا على طاولة القرار فحسب، بل في هذه المنطقة.

دافيد عيس

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.