تحرير سعر الصرف والثمن السياسي

80

بروفسور جاسم عجاقة

هُناك قناعة راسخة لدى الكثيرين من أصحاب القرار ولكن أيضًا من المحلّلين الإقتصاديين ومن المواطنين عمومًا أن سعر صرف الليرة لن يعود إلى ما كان عليه سابقًا، وبالتالي أصبح التعاطي مع الليرة اللبنانية مبني على أساس أنها فقدت قيمتها.

ثلاث ضربات وجّهتها الحكومة إلى الليرة اللبنانية عن معرفة أو عن غير معرفة:

أولًا – تعليق دفع إستحقاقات الدين العام (يوروبوندز وسندات بالليرة) وهذا الأمر يعني أن الدولة اللبنانية أصبحت في حال تخلّف عن دفع ديونها وبالتالي أصبحت مُصنّفة في خانة الدول المُتعثّرة أو «المُفلسة». وبما أن العملة تعكس ثروات البلد من ناتج محلّي إجمالي وأصول ولكن أيضًا ديون ومُستحقات عليها، تلقّت الليرة ضربة كبيرة من خلال حرمانها من دخول الإستثمارات والودائع القادمة من الخارج ولكن أيضًا من خلال غياب القدرة على الإستدانة من الأسواق الأجنبية.

ثانيًا – قرار تخفيض سعر صرف الليرة في الخطة الحكومية والذي أتى على مرحلتين في المسودّة الأولى (3000 ليرة لبنانية للدولار في العام 2024) ومن ثمّ في النسخة المُقرّة (4300 ليرة لبنانية للدولار في العام 2024). هذا الأمر فرض واقع معروف في الأسواق التي تتعامل على أساس مُقارنة التوقّعات المُستقبلية بالوضع الحالي وبالتالي إرتفع سعر صرف الدولار في الأسواق متخطّيًا عتبة الـ 3000 ليرة ومن ثم عتبة الـ 4000 ليرة.

ثالثًا – إعلان وزير المال غازي وزني عن إستعداد الدولة اللبنانية تحرير سعر صرف الليرة على بشكل مُتدرّج (سعر صرف مرن ومن ثم تحرير كامل) وهذا الأمر أدّى إلى زيادة المخاوف بنسبة كبيرة في الأسواق نظرًا إلى أن تحرير سعر صرف الليرة مع الواقع الإقتصادي والمالي والنقدي الحالي، يعني أن سعر صرف الدولار مقابل الليرة أصبح من دون سقف!

بالطبع هذا لا يعني أن الحكومة هي المسؤولة عن تدهور سعر الصرف، فهناك عاملين لهما أهمّية كبيرة هما العقوبات الأميركية غير المُعلنة والمضاربات التي تقوم بها عصابات مدعومة بمنظومة التطبيقات على الهواتف الذكية. إلا أن مسؤولية الحكومة تأتي من باب الثقة التي حجبتها عن الليرة اللبنانية من خلال الإجراءات الثلاث الآنفة الذكر.

للعمّلة الوطنية أبعاد كثيرة فبالإضافة إلى كونها وسيلة تبادل في الإقتصاد، تتمتّع أيضًا بأبعاد إستراتيجية كتعزيز الهوية الوطنية وإعطاء اللون السياسي للحكومات. وتُشير تجارب الدول الأخرى أن الرأي العام يتأثر بقوّة العمّلة الوطنية إذ أن توقعات دائمة بإنخفاض العمّلة تُثير الرأي العام تجاه السلطة السياسية وتؤدّي إلى خسارتها في الإنتخابات. وتتأثر قيمة العملة الوطنية بعدد كبير من العوامل منها ما هو إقتصادي مثل السياسة المالية للحكومة، سياسي كسياسة الحكومة الداخلية والخارجية، نقدي كالسياسة النقدية المُتبعة، مالي خصوصًا وضع المالية العامّة، وقانوني (القوانين المرعية الإجراء).

التطوّر السلبي للعوامل الآنفة الذكر، يؤثّر بشكل مباشر على قيمة العملة التي قد تخسر من قيمتها مقابل العملات العالمية وهذا الأمر له تداعيات على الصعيد الإجتماعي (مثل زيادة نسبة الفقر) ولكن أيضًا النفسي! فتوقّعات مُستمرة بإنخفاض العملة الوطنية يدفع المواطن إلى الشعور بالإذلال، وكردّة فعل يعمد إلى شراء العملة الأجنبية عبر التخلّص من العملة الوطنية وهو ما يخلق بحدّ ذاته ضغطًا على هذه الأخيرة. إذًا نرى أن مسؤولية الحكومة تتمحور حول قرارها بحجب الثقة عن الليرة اللبنانية.

أهمّية ثبات العملة يأتي من منطلق الحفاظ على القدرة الشرائية للمواطن والتي لها تداعيات على نسبة الفقر. وفي الدول المُتطوّرة، يلعب الإقتصاد الدور الأساسي في الحفاظ على قيمة العملة (العملة تعكس ثروة البلد) في حين أنه في الدول ذات الإقتصادات الضعيفة يتمّ إعتماد سياسة نقدية مبنية على تثبيت سعر الصرف (مع أو بدون هامش).

العديد من المحلّلين يعتقدون أن تثبيت سعر صرف الليرة في لبنان هو خطأ في السياسة النقدية التي هي سبب الأزمة الحالية. إلا أن ما يجب معرفته أن خفض سعر صرف العملة يخدم ميزان المدّفوعات عبر حرمان المواطن من قدرته على الإستيراد وبالتالي يتوجّب أن يكون هناك بديل داخلي للسلع والخدمات المُستوردة. وهنا السؤال: هل هناك من بديل؟ البعض يقول أن سياسة الفوائد المُرتفعة هي السبب في عدم إمتلاك لبنان قطاعات صناعية وزراعية. لكن هذا القول هو إعتراف ضمني لغياب السياسات المالية للحكومات المُتعاقبة التي كان من المفروض عليها أن تزيد من الضرائب على هذه المداخيل الريعية.

هل أن عدم تثبيت سعر صرف الليرة في العام 1997، كان ليُغيّر في هيكلية الإقتصاد؟ هل هو جرم أن يستفيد المواطن اللبناني من تثبيت سعر صرف الليرة؟ نعم المُستفيد الأول من تثبيت سعر صرف الليرة كان المواطن اللبناني الذي رأى مستواه المعيشي يرتفع إلى خانة الدول المُتقدّمة (في أسفل الدول ذات الدخل العالي).

اليوم مع قرار الحكومة خفض سعر صرف الليرة لحل مُشكلة ميزان المدفوعات، سيكون هناك ظاهرة إسمها Social Dumping والتي ستُعيد المُستوى المعيشي للمواطن اللبناني إلى مستويات مُتدنّية شبيهة بتلك التي عاشها في الحرب الأهلية.

إن قرار خفض سعر صرف الليرة اللبنانية سيكون له تدعيات إجتماعية سيتمّ ترجمتها في صناديق الإقتراع في العام 2022، وهذا الأمر يفرض على القوى السياسية إعادة حساباتها في يخصّ الخطة الحكومية.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.