ترامب يبحث عن كاتب التاريخ؟

23

بقلم محمد السماك
«أساس ميديا»
هل يسعى ترامب إلى صناعة سلام يمنحه جائزة نوبل، أم إلى كتابة رواية جديدة تبرّر حروبه؟ وهل يحاول استنساخ تجربة تشرشل في كتابة التاريخ، أم أن زمن فرض السرديات قد تغيّر؟
عندما بدأ يتبيّن الخيط الأبيض من الخيط الأسود من فجر نهاية الحرب العالمية الثانية، اجتمع القادة الثلاثة الذين خاضوا الحرب معاً ضد النازية الألمانية – الهتلرية – في مدينة بوتسدام. يومها قال ونستون تشرشل لرفيقيه جوزف ستالين وفرانكلين روزفلت: “إن التاريخ سوف ينصفنا نحن الثلاثة”.
علت على وجهيْ الرئيسين السوفياتي والأميركي علامات الاستغراب، وتساءلا: “وكيف ذلك؟” فالرئيس ستالين متهم بمقتل مئات الآلاف في عمليات التهجير الجماعي القسري إلى مجاهل سيبيريا حيث قضوا جوعاً وبرداً، والرئيس روزفلت متهم بأنه هو الذي أعطى الأمر بإلقاء القنبلتين النوويتين على مدينتي هيروشيما وناكازاكي في اليابان. وقد أدّى انفجارهما إلى مقتل عشرات الآلاف من الضحايا اليابانيين المدنيين، وإلى تحويل المدينتين إلى أثر بعد عين. فكيف سينصفهما التاريخ وعلى أي أساس؟
طرح الرئيسان السوفياتي والأميركي هذا السؤال على ثالثهما رئيس الحكومة البريطانية، فكان جوابه ببساطة: “لأنني أنا من سيكتب التاريخ”.
مجلس غزة توطئة لنوبل؟
بالفعل، تفرّغ تشرشل بعد الحرب وبعد استقالته من رئاسة الحكومة لكتابة تاريخ الحرب العالمية الثانية وأسرارها الداخلية، وفي ظنّه أنه سيُمنح جائزة نوبل للسلام تقديراً لعمله. وبالفعل كرّمته لجنة نوبل ومنحته جائزة نوبل للآداب وليس للسلام. فالكتاب الذي يقع في 600 صفحة أراده مؤلّفه أن يكون مرافعة دفاع بالوقائع عن قرارات الحرب التي اتخذها الرؤساء الثلاثة، إلا أن اللجنة لم تأخذ بالوقائع، بل أخذت بالنص الأدبي الراقي الذي كان معروفاً عن تشرشل. وهكذا كان لا بد من البحث عن وسيلة أخرى لتبرير قرارات القتل الجماعي التي اتخذها ستالين وروزفلت. ولقد تمثلت تلك الوسيلة في التركيز على وحشية الجرائم الجماعية التي ارتكبتها النازية، بما في ذلك جريمة الهولوكوست التي استهدفت يهود ألمانيا وأوروبا.
انتقلت أنظار العالم بعد الحرب من برلين المدمرة ومن رماد ناكازاكي وهيروشيما إلى نورنمبرغ، حيث جرت محاكمة الجنرالات الألمان الذين شاركوا في الحرب بقيادة هتلر.
حاول الرئيس الأميركي دونالد ترامب أن يلعب، بعد حرب الإبادة الجماعية التي شنتها إسرائيل على قطاع غزة بدعم عسكري وسياسي من الولايات المتحدة، دور تشرشل. فكانت مبادرته لإنشاء مجلس للسلام في الشرق الأوسط برئاسته، وذلك على أمل الالتفاف على التوجه العالمي لإدانة بنيامين نتنياهو بارتكاب جريمة جماعية في غزة. وقد أدانته المحكمة الدولية بالفعل.
تمكّن الرئيس ترامب من تشكيل المجلس، وكان يمنّي النفس أن يحصل بسبب ذلك على جائزة نوبل للسلام. ولكن أوسلو لم تفتح له أبوابها، خاصة بعد أن فُتحت ملفات “أوبستين” حول الفضائح الأخلاقية التي يبدو أن ترامب ليس بعيداً عنها، أو لم يكن بعيداً عنها.
بعد الحرب العالمية الثانية ذهب تشرشل إلى الكتابة الأدبية عن تاريخ الحرب. وكان كتابه “العاصفة المجتمعة”. وبعد الحرب الإسرائيلية الثالثة على غزة، ذهب الرئيس ترامب إلى الحرب على إيران.
عقدة أوباما
بوقوفه إلى جانب إسرائيل في الحرب الأولى برّر ذلك بأن حماس منظمة إرهابية. وفي وقوفه إلى جانب إسرائيل في الحرب الثانية، كان تبريره أن النظام الإيراني نظام إرهابي يسعى إلى امتلاك سلاح نووي، علماً بأن إسرائيل هي القوة النووية الوحيدة في الشرق الأوسط (مفاعل ديمونا). ولقد همّت إسرائيل باستخدام هذا السلاح في عام 1973 ضد مصر – في عهد رئيسة الحكومة في ذلك الوقت غولدا مائير – بعد أن استرجعت مصر منها وبالقوة العسكرية قناة السويس وصحراء سيناء. ولولا التدخل العسكري الأميركي الذي قلب موازين القوى العسكرية – الدفرسوار – في جبهة السويس، لما اقتنعت مائير بعدم استخدام السلاح النووي. يومها نُقل عن الرئيس السادات قوله: “أستطيع أن أحارب إسرائيل وأقاتلها، ولكنني لا أستطيع محاربة أميركا”. ولذلك ذهب إلى كامب ديفيد مضطراً.
اليوم، وأياً تكن الأسباب الخلفية للحرب الأميركية – الإسرائيلية على إيران، فإن الهدف الأساس هو تجريد إيران من أي إمكانية لتصبح دولة نووية. وهذا يعني أن تبقى إسرائيل وحدها مالكة لهذا السلاح في الشرق الأوسط.
لعل الرئيس ترامب يدرك الآن أن لجنة نوبل للسلام لم تقتنع بأنه يستحق جائزتها على خلفية وقف الحرب في غزة (هل توقفت الحرب فعلاً؟!). ولذلك يحاول إقناعها بأن تجريد إيران من إمكانية إنتاج سلاح نووي يؤهله لنيل الجائزة التي يحلم بها، فهل تقتنع؟
في الواقع يعاني الرئيس ترامب من عقدة سببها منح جائزة نوبل للسلام للرئيس الأميركي الأسبق باراك أوباما. فهو لا يذكره إلا بتهكّم أو مقروناً بشتيمة، على غرار الرئيس جو بايدن. ويرى ترامب (وهو في ذلك ربما يكون على حق) أن التدخل الأميركي في أفغانستان ألحق بالولايات المتحدة خسائر معنوية كبيرة (الانسحاب الذي أعاد إلى الأذهان ذلّ الانسحاب من فيتنام). فكيف يُمنح رئيس تورّط في هذه الحرب جائزة نوبل ويُحرم هو منها؟ ثم إن هذا الحرمان يأتي في حساباته بعد أن شكّل مجلس السلام في غزة (أين هذا المجلس الآن؟ وأين السلام في غزة؟)، وبعد أن دمّر إمكانات إيران النووية (هل دمّرها فعلاً؟)، وبعد أن أعاد فنزويلا إلى “بيت الطاعة الأميركي”.
من سوء حظ الرئيس ترامب أنه لم يعد يجد في أوروبا حليفاً مثل تشرشل (أو حتى دون ذلك)، يسعى – أو على الأقل يفكر – في كيفية إنصافه ملكاً غير متوّج على العالم.
محمد السماك

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.