تشويه صورة رياض سلامة: الخلفيات السياسية والاقتصادية

36

بقلم د. ابراهيم العرب

يُعدّ رياض سلامة من أبرز الفاعلين في الحقل النقدي اللبناني والعربي، وقد ارتبط اسمه طوال ثلاثة عقود بفترة من الاستقرار النقدي رغم أزمات سياسية ومالية متلاحقة. فمنذ تولّيه حاكمية مصرف لبنان عام 1993، استطاع أن يحافظ على ثبات سعر الصرف في ظل عجز مالي مستفحل، وتراجع في الإنتاج، وغياب شبه دائم للمؤسسات الدستورية. وقد أسهمت خبرته المهنية في «ميريل لينش» وعلاقاته في النظام المالي الدولي في منحه مكانة وازنة تُوّجت بترؤس اجتماعات ومحافل اقتصادية دولية وحصوله على جوائز أكاديمية ومصرفية مرموقة.

غير أنّ هذه الصورة المهنية، التي راكمها خلال عقود، تعرّضت منذ عام 2015 لعملية تشويه ممنهجة. وتظهر القراءة التحليلية لمعطيات تلك المرحلة أنّ استهداف سلامة لم يكن معزولاً عن سياق سياسي داخلي متشابك، وعن رغبة أطراف معينة في إعادة تشكيل بنية النظام المالي وتوزيع المسؤوليات عن الانهيار على نحو يخفي الأسباب البنيوية الحقيقية للأزمة.

أولاً: السياق السياسي للحملة ومسار التحريض التدريجي:

ابتداءً من عام 2015، برزت سلسلة تقارير وإشاعات مالية، بعضها ثابت التزوير، صدرت عن جهات إدارية وسياسية، استهدفت ضرب الثقة بالقطاع المصرفي. يكشف هذا المسار أن الحملة لم تكن مجرد انتقاد لسياسات نقدية، بل جزء من مشروع أوسع لتغيير النموذج المالي القائم وتبرير تحميل مصرف لبنان—والحاكم تحديداً—مسؤولية انهيار نتج أساساً عن خيارات مالية اتخذتها الحكومات المتعاقبة خارج نطاق صلاحيات المصرف المركزي.

لقد ارتكزت تلك الحملات على فرضية تبسيطية مفادها أن الحاكمية هي مصدر الأزمة، في حين تُظهر كل المؤشرات الاقتصادية أنّ العجز المالي المتراكم (نحو 130 مليار دولار) كان نتاج إنفاق حكومي غير ممول بإصلاحات، وأن القطاع المصرفي ضخّ للدولة والاقتصاد أكثر من 450 مليار دولار على مدى ثلاثة عقود، فيما ظلّ مصرف لبنان ملتزماً قانون النقد والتسليف الذي يفرض الانصياع لقرارات السلطة التنفيذية والتشريعية.

ثانياً: مسألة الثروة وتوظيفها في الحرب الإعلامية:

شكّلت قضية ثروة سلامة محوراً مركزياً في الخطاب الاتهامي. غير أنّ التدقيقات الحسابية التي أجريت عام 2021، إضافة إلى بيانات حساب رسمية، أثبتت أنّ الحاكم كان يمتلك ثروة تراكمت قبل دخوله القطاع العام، وأن دخله السنوي في «ميريل لينش» تجاوز مليوني دولار. وقد أخذت محكمة التمييز الفرنسية بهذه المعطيات، فأسقطت التحقيقات بحقّه لغياب الأدلة على الإثراء غير المشروع. إلا أنّ هذه الوقائع بقيت خارج السردية الإعلامية التي ركّزت على اتهامات غير مثبتة كانت وظيفتها تعزيز صورة «المتهم المسبق».

ثالثاً: طبيعة المسؤوليات وحدود الصلاحيات:

يقع جزء كبير من الخلط المتعمّد في تحميل سلامة مسؤوليات لا تقع ضمن صلاحياته. فمن حيث المبدأ: لاكتتاب بسندات اليوروبوند كان يتم مباشرة بين المصارف والدولة، لا عبر مصرف لبنان؛ أما مكافحة التهريب، والكابتاغون، وضبط الحدود، ليست ضمن صلاحيات الحاكمية؛ أما الإنفاق العام، وخصوصاً في قطاع الكهرباء، فيشكّل العامل الأكبر في العجز المتراكم؛ ومجلس الوزراء والبرلمان هما المرجعان اللذان يستندان إلى قانون النقد والتسليف لفرض التمويل على مصرف لبنان وفق المادة 91، التي تُلزم الحاكم بتنفيذ القرارات الرسمية.

كما أن المصرف المركزي ليس مؤسسة ذات قرار فردي، بل يعمل عبر مجلس مركزي وهيئات رقابية ومفوضية حكومية، ما يجعل ادعاء «سلطة الفرد» على المنظومة المالية ادعاءً يفتقر إلى الأساس التقني.

رابعاً: العوامل الخارجية وتأثيرها البنيوي في الانهيار:

ساهمت متغيرات خارجية في تفاقم الأزمة، أبرزها تأثير الحرب السورية على الاقتصاد اللبناني، حيث قدّر البنك الدولي كلفتها بين 25 و30 مليار دولار؛ وتهريب السلع المدعومة إلى سوريا بعد 2011 بمعدل يتراوح بين 4 و6 مليارات دولار وتوقف تدفقات رؤوس الأموال نتيجة العقوبات الدولية على سوريا وحلفائها، وانخفاض الثقة بعد ضرب «جمال ترست بنك»؛ وقرار الدولة في عام 2020 وقف دفع فوائد اليوروبوند، وهو القرار الذي عارضه سلامة، وكان العامل الأكثر تأثيراً في انهيار الثقة المالية وقطع علاقة لبنان بالأسواق الدولية. هذه المعطيات، مجتمعة، تفسّر الطابع البنيوي للأزمة بعيداً عن سردية «الخطأ الفردي».

خامساً: من الحاكم المثالي إلى كبش المحرقة

تُظهر القراءة المقارنة لخطاب القوى السياسية أن سلامة تحوّل إلى «كبش محرقة» لأن تحميله المسؤولية يخدم عدة أهداف:

  1. إخفاء دور الحكومات التي عطّلت إصلاحات «باريس 2» و«سيدر» وأهدرت عشرات المليارات في قطاع الكهرباء؛
  2. تنفيس غضب المودعين عبر خلق متهم واحد بدل مساءلة المنظومة بأكملها؛
  3. تهيئة الأرضية لإعادة هيكلة القطاع المصرفي على نحو يخدم مصالح سياسية محددة؛
  4. تصفية حسابات سياسية في ظل غياب حماية حزبية للحاكم.

ومن اللافت أن سلامة لم يستقل رغم الحملات المتصاعدة، ما يعكس مقاربة مؤسساتية قوامها تجنب الفراغ النقدي في أكثر مراحل الدولة هشاشة.

سادساً: بين الحقيقة السياسية والمسؤولية الاقتصادية

تكشف قراءة متأنية للمعطيات أنّ تشويه صورة رياض سلامة لم يكن مجرد تراكم انتقادات تقنية لسياساته، بل نتيجة تقاطع بين عوامل سياسية داخلية وصراعات اقتصادية ومالية أرادت إعادة توزيع كلفة الانهيار بطريقة تُبعد المسؤولية عن الأطراف التي أدارت الدولة لسنوات طويلة.

وفي المحصلة فإن الانهيار اللبناني ذو طابع بنيوي—سياسي، إداري، مالي—ولا يمكن اختزاله في شخص واحد، خصوصاً حين تشير الأرقام والوثائق إلى أن أسباب الأزمة تتجاوز بكثير حدود السياسات النقدية، وتطال جوهر إدارة الدولة نفسها.

لذلك، فإن تحقيق العدالة الحقيقية يستوجب إجراء مقاربة شاملة تُحاسَب فيها السلطات التي اتخذت القرارات الكبرى، لا الاكتفاء برواية تُبرّئ المنظومة وتُدين الموظف العام. وعليه، فإنّ فهم مسار تشويه صورة سلامة هو جزء من فهم أعمق لأزمة الحكم والاقتصاد في لبنان، أكثر منه حكماً على فرد بعينه.

د. ابراهيم العرب

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.