تمدّد صيني لافت في منطقة الخليج

40

إن الاتفاقية الموقّعة بين الصين وإيران، يمكن أن تعمّق نفوذ الصين في الشرق الأوسط، وتقوّض الجهود الأميركية لإبقاء إيران معزولة. إلى ذلك أشارت صحيفة «نيويورك تايمز» الى ان الاتفاق عكس طموح الصين المتزايد للعب دور أكبر في منطقة كانت تمثّل الشغل الشاغل للولايات المتحدة.

ولم تعلن إيران عن تفاصيل الإتفاقية قبل التوقيع. ولم تقدّم الحكومة الصينية تفاصيل محدّدة. لكن الخبراء قالوا إنها لم تتغير الى حد كبير عن مسودة من 18 صفحة، حصلت عليها الصحيفة العام الماضي.

لقد خطّت إيران والصين مرحلة جديدة من العلاقات الثنائية… فبعد سنوات من المحادثات والنقاشات، وضع الطرفان النقاط على الحروف في إطار وثيقة تعاون استراتيجية في المجالات كافّة، فيما تتقدم الصين على نحو متصاعد وقوي وسريع لتتسيّد الاقتصاد العالمي، وايران تملك موارد ضخمة للطاقة وتزدهر علميا وتنشط صناعيا. وهنا تكمن أهمية التقارب بينهما.

ويصف الطرفان، هذه الوثيقة بخارطة الطريق لمستقبل العلاقات الثنائية، فبنودها تشمل التعاون تجاريا واقتصاديا وعسكريا وثقافيا، بشكل يمنح الطرفين امتيازات متبادلة وفق معادلة الربح المتبادل.

وتتحدث الاتفاقية بالتفصيل عن أوجه التعاون من النفط الخام والطاقة النووية الى سكك الحديد والاتصالات والعمل المصرفي واستخدام العملة الوطنية، وصولاً الى دور إيران في مبادرة الحزام والطريق.

وما يعطي هذه الاتفاقية أهمية كبرى، كونها تشمل أيضا تبادل خبرات عسكرية وقدرات دفاعية وتعاونا أمنيّا وإسناداً في المحافل الدولية. لا بل أكثر من ذلك، هو اتفاق على توسيع التعاون بين الجامعات وأقسام التكنولوجيا والعلوم والسياحة.

صحيح أن التعاون الاقتصادي يشكل أساس هذه المعاهدة، إلا انه وبحسب مراقبين يعتبر تحديا سياسيا لخصوم البلدين المشتركين، وهو يفتح الباب على نوع جديد من المواجهة ضد المعسكر الأوروبي الأميركي.

ولا تكمن أهمية الاتفاق في المضمون فقط. ففي الشكل يُحْسَبُ للتوقيت الف حساب أيضاً، حيث تتعرض الصين – بالتزامن مع هذا الاتفاق – لتهديدات أميركية، كما تتعرّض إيران للعقوبات وروسيا للحصار. ومع توقيع اتفاقية التعاون، يُسَلّط الضوء على الدور الذي ستؤديه طهران في هذا الاتفاق، الذي سيصب لمصلحة تعاظم دورها. فموقع إيران المهم الذي يقع على المسار البري لمبادرة الحزام والطريق الصينية، يمنحها فرصة للارتباط بالبنية التحتية الاقليمية، وهو ما لا ينفصل عن شبكات الموانىء والسكك الحديدية.

على هذا الأساس، سينعكس ما سبق، وفق مراقبين، مكاسب اقتصادية ضخمة، لا بل استراتيجية أيضا، لا تقلّ أهمية عن الاقتصادية منها، فتعمّق الارتباط الايراني بالبنية التحتية الاقليمية، وستنتج مصالح دولية في الدفاع عن إيران لمواجهة السياسات الأميركية.

من الناحية الأخرى، فإن التوسع العسكري والاقتصادي للصين، وتفوّقها التكنولوجي أكثر ما تخشاه واشنطن، حتى بات الحدّ من النفوذ الصيني أحد أبرز الأولويات للادارة الأميركية الجديدة.

وترى الولايات المتحدة الأميركية في الصين، التهديد الأكبر لها، ولموقعها القيادي في العالم، ورئيسها جو بايدن وضع منذ دخوله البيت الأبيض التفوّق على الصين، ومنعها من التوسع أكثر على الساحة الدولية هدفا أساسيا له.

ان القلق الأميركي ينبع من واقع، فرضت فيه الصين قوّتها، عبر نجاحها في التوسع التدريجي والمدروس مع حلفاء موثوقين مثل إيران وروسيا وغيرهما، إضافة الى رفع مستوى جهوزيتها العسكرية. كذلك فإن وصول الصين الى الموانىء الايرانية ضمن استراتيجية تقوم على النفاذ الى أكبر عدد ممكن من الموانىء البحرية، يحدّ من الهيمنة الأميركية في الخليج، حيث اقترب الحضور الصيني، وتحديدا في ميناء «جاسك» القريب من مضيق هرمز من مقر الأسطول الخامس الأميركي في البحرين.

كل هذا يأتي مترافقا مع تحوّلات استراتيجية مهمة في السياسة الصينية تجاه النظام العالمي والسياسات الاقليمية، ودليل على ان التدهور الذي يتزايد في العلاقات مع واشنطن وبكين، لم يعد ممكنا ضبطه، وبات ينذر باتساع رقعة المواجهة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.