جرحٌ في الشعر

33

عمر شبلي                  

إلى روح الشاعر الكبير:

محمد علي شمس الدين

 

لا بدَّ أن تعودَ للجنوب،

فإنّهُ المكانْ.

إنّ الجنوبَ الآنَ، يا مُحَمَّدْ،

يفتحُ لاستقبالك القلوبْ

مُخَضَّبَاً بالشعر والحنانْ.

سوف يعودُ ذلك الصبيُّ للجنوبْ،

فالحبُّ لا يشيخْ.

مُحَمّدُ، الحب الذي يوجَدُ في أوْرِدَةِ الجنوب،

ليس له نُضوبْ،

كنتَ تُحِبُّ دائماً تَسَلُّقَ الأشجارْ،

وكنتَ دائماً تقولُ لي:

لمّا تَزَلْ صغيرةً تُغريهِ بالتَسَلُّقْ.

ولم يزلْ يعرفُها واحدةً، واحدةً.

لأنها من جِيلِهِ.

وكانَ عامِلِيّاً،

وكانت الأشجارُ عامِلِيّةْ.

في زمنِ اليبابْ،

كنتَ تقولُ دائماً لنا:

إنْتَظِروا، غمامةٌ واحدةٌ، ويهطلُ الوطنْ.

وكانت البلادْ

عارِيَةً جميعُها إلّا من الكَفَنْ.

قد مَسَّنا الُضُرُّ، وهذا يوسفٌ

يسألُ عن إخوتِهِ الذئبَ الذي

ليس على قميصِهِ دمٌ كَذِبْ.

لن يسألَ العربْ،

كان على قمصانِهمْ دمٌ كَذِبْ

لا بدَّ يا مُحَمَّدْ،

من وطنٍ نشعرُ بالدفءْ متى نلبسُهُ،

يمنحُنا أُغْطِيَةً تُنسَجُ في الوطنْ.

كم سالَ من شعْرِكَ جُرْحُ الوطن القتيلْ،

وجرحُ من ماتَ على الفراتْ

عطشانَ، جَوْعانَ، ولم يُرْوَ لهُ غليلْ.

رجعتَ للجنوبْ،

والغيمُ في الضواحي يرفضُ أن يَصُوبْ.

تمشي على النعشِ كأنَّ النعشَ في إرقالِهِ نجيب.

 

أمُّكَ قد نَهَتْكَ أنْ تموتْ

إلّا على الصدرِ الذي أبصرْتَ فيهِ

النورَ في الجنوبْ.

إنَّ الوصايا ذِمَمٌ عندَ ذوي القلوبْ.

وكنتَ في بيروتْ

تنظرُ من نافذةِ القلبِ إلى الجنوب.

***

كنتَ تعاني الجرحَ حين تولَدُ القصيدةْ.

والشعرُ والجرحُ معاً

قد وُلِدا في ساعةٍ عنيدةْ.

كنتَ إذا أنجزْتَها

تُوَزِّعُ الحلوى على صينيّةِ الألمْ

فالجرحُ لا يتركُ في القصيدة

حرْفاً بلا عقيدةْ.

لم يَذُقِ الحلوى التي تكونُ في مرارةِ القصيدةْ

إلّا الذي مرَّ على مغارة «السيكلوبْ»

وأبصرَ الصحّةَ في السقمْ

أو سمعَ الأمَّ التي تُزغْرِدَ الدمعةُ في

جنازةِ ابنها الشهيدْ

***

العبقريّةُ التي تلمعُ في شعرِكَ، يا صديقي،

حكايةُ الجرحِ الذي تحملُهُ أمّتُكَ الأبيّةْ.

أمّتُك الشماءُ في بيسانْ

وفي شبابِ الضفّة الغربيّةْ،

وغزَّةَ العَصِيّةْ

حكايةُ الأمةِ، يا مُحَمّدْ،

حكايةُ الجرحِ الذي كان هو القضيّةْ.

***

لن تبرحَ الجنوبَ بعدَ اليومِ، يا صديقي،

نمْ في «عربصاليم»

وحضنِها الحنونْ

سوف أسَمِّيكَ فتى الزمانْ،

وسوف تبقى حاضراً

في كلِّ ما تمنحُهُ الجذورُ للغصونْ

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.