جوزاف عون… حكمة حمت لبنان من الفتنة الداخلية

129

بقلم دافيد عيسى
مرّت على لبنان في هذه المرحلة أيامٌ ثقيلة وحساسة، اختلط فيها القلق الشعبي بالانقسام السياسي، وتداخلت الحسابات الداخلية مع اشتباكات الإقليم.
خلال السنة الأولى من العهد، لم تتوقف الانتقادات التي طالت رئيس الجمهورية؛ فاتهمه البعض بالتراجع عن روحية خطاب القسم، ورأى آخرون أنّ مقاربته لملف حزب الله لم تكن حاسمة بما يكفي، فيما ذهب فريق ثالث إلى اعتبار أنّ سياسة التهدئة لا تُنتج حلولًا.
غير أنّ قراءة متأنية لمسار الأحداث تكشف أنّ ما اعتُبر ترددًا كان، في جوهره، خيارًا مدروسًا لتجنيب البلاد منزلقًا خطيرًا.
لقد أدرك رئيس الجمهورية منذ اللحظة الأولى أنّ أي معالجة متسرعة أو صدامية لملف سلاح حزب الله كانت ستضع لبنان أمام احتمال مواجهة داخلية مباشرة بين الحزب والجيش اللبناني، بما تحمله من مخاطر على وحدة المؤسسة العسكرية والسلم الأهلي.
ومن هنا اختار نهجًا يقوم على الحوار، وضبط الإيقاع، وفتح قنوات التواصل، بالتنسيق مع رئيس مجلس النواب نبيه بري ورئيس الحكومة نواف سلام، في محاولة لإبقاء الخلافات تحت سقف المؤسسات ومنع انفجارها في الشارع.
لم يكن هذا النهج ضعفًا، بل تعبيرًا عن إدراك عميق لطبيعة التوازنات اللبنانية وتعقيداتها.
كما أنّ مقاربة هذا الملف لم تنطلق من حسابات ظرفية، بل من مبدأ دستوري ثابت يقوم على حصرية السلاح بيد الدولة، باعتبارها الجهة الوحيدة المخوّلة اتخاذ قرار الحرب والسلم. فهذا المبدأ ليس موجّهًا ضد فئة أو حزب، بل هو جوهر قيام الدولة الحديثة وضمان انتظام مؤسساتها.
وفي واقع الأمر، فإن هذه المقاربة الحكيمة جنّبت البلاد خطر الانزلاق إلى فتنة داخلية كانت كفيلة بإعادة اللبنانيين إلى مشاهد الانقسام والفوضى التي دفعوا ثمنها لعقود.
فالهدف لم يكن يومًا كسر فريق أو إلغاء مكوّن، بل حماية صيغة العيش المشترك التي يقوم عليها الكيان اللبناني، وصون الاستقرار الداخلي بوصفه الشرط الأساسي لأي مواجهة سياسية أو دبلوماسية مع الخارج.
فلا يمكن للبنان أن يواجه تحدياته الإقليمية وهو منقسم على ذاته أو مهدّد في وحدته الداخلية.
لقد كان واضحًا أنّ أي احتكاك داخلي مسلح سيقوّض ما تبقى من مؤسسات الدولة، ويضرب الثقة بالجيش بوصفه ضامنًا للوحدة الوطنية.
لذلك تحمّل الرئيس حملات الاتهام والظلم، وفضّل امتصاص الضغوط السياسية على أن يسمح بانفجار داخلي لا تُحمد عقباه.
غير أنّ التطورات الإقليمية المتسارعة وضعت لبنان أمام واقعٍ لم يكن في الحسبان.
فإطلاق صواريخ على مدينة حيفا مساندةً لإيران في حربها ضد أميركا وإسرائيل أدخل البلاد في دائرة مواجهة مفتوحة، وأعطى إسرائيل ذريعة لتوسيع ضرباتها على مناطق لبنانية متعددة.
لقد أدخل هذا التطور لبنان في حرب نعرف كيف بدأت، لكن أحدًا لا يستطيع الجزم بكيفية انتهائها أو بحجم الأكلاف التي قد تترتب عليها.
فقرار بهذا الحجم، حين يُتخذ خارج إطار الدولة ومؤسساتها، يضع الوطن بأسره أمام مصير مفتوح على كل الاحتمالات، ويحمّل اللبنانيين أثمانًا لم يشاركوا في تقريرها.
عند تلك اللحظة، لم يعد ممكنًا الاكتفاء بسياسة الاحتواء، لأن كلفة الغموض أصبحت أكبر من كلفة القرار.
هنا جاء موقف مجلس الوزراء بحظر الأنشطة العسكرية والأمنية لحزب الله باعتبارها خارجة عن القانون، وحصر نشاطه في الإطار السياسي كباقي الأحزاب اللبنانية.
لم يكن هذا القرار موجّهًا ضد أبناء الطائفة الشيعية الكريمة، بل جاء حمايةً لهم؛ فهم لبنانيون، وعلى الدولة حمايتهم أسوةً بباقي اللبنانيين.
وقد استهدف القرار مجموعةً من هذه الطائفة تحمل السلاح وتقرّر عن الدولة مسألتي الحرب والسلم، وهو أمر يتناقض مع مبدأ سيادة الدولة ومع قواعد العيش المشترك.
لقد شكّل هذا القرار انتقالًا من مرحلة الصبر الاستراتيجي إلى مرحلة تثبيت مرجعية المؤسسات، بعد أن تجاوزت الأحداث حدود الاحتمال.
ومع ذلك، كانت التداعيات قاسية؛ فقد تكثفت الغارات الإسرائيلية، وتوسعت دائرة الاستهداف، ما أدى إلى أضرار بشرية ومادية كبيرة، وتسبّب بحركة نزوح واسعة من الضاحية الجنوبية لبيروت ومناطق الجنوب نحو بيروت وجبل لبنان.
هذا المشهد الإنساني المؤلم أعاد التذكير بهشاشة الوضع اللبناني، وبأن أي قرار أحادي خارج إطار الدولة يضع الوطن بأكمله في دائرة الخطر.
اليوم يقف لبنان أمام مفترق طرق جديد، بين منطق الدولة ومنطق المحاور، بين قرار المؤسسات وقرارات الأمر الواقع.
وإذا كان الجدل سيبقى جزءًا من الحياة السياسية، فإن الثابت أنّ الحكمة التي أُديرت بها المرحلة السابقة جنّبت البلاد شرخًا داخليًا كان من شأنه أن يهدد الكيان نفسه.
وفي لحظات الخطر، لا يُقاس أداء القادة بارتفاع منسوب التصفيق، بل بقدرتهم على منع السقوط.
والتاريخ، في نهاية المطاف، لا يحفظ أسماء المزايدين، بل يسجّل مواقف من اختاروا حماية الوطن حين كانت العواطف أعلى من الحسابات.
دافيد عيسى

 

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.