جوزف عون في بكركي… لبنان حين يحتمي بالكلمات

23

بقلم أيمن جزيني
«أساس ميديا»
الخطابات السياسيّة، في لحظات الانهيار التاريخيّ، لا تكون تعبيرات عن مواقف آنيّة وحسب، بل هي في معناها الأعمق آليّات لإعادة إنتاج السلطة في شروط تآكلها. هكذا يمكن قراءة كلمة رئيس الجمهوريّة جوزف عون في بكركي لمناسبة “أحد القيامة”، لا بوصفها إعلاناً لسياسة، بل بوصفها ممارسة خطابيّة تهدف إلى ترميم ما تصدّع من شرعيّة الدولة.
لم يظهر خطاب رئيس الجمهوريّة بوصفه إعلاناً لسياسة بقدر ما تبدّى تمريناً على إدارة القلق الجماعيّ، فقد جاء في لحظة تتداخل فيها ثلاثة مستويات من الانكشاف: انكشاف الدولة أمام الخارج، انكشاف المجتمع أمام ذاته، وانكشاف السلطة أمام عجزها عن الإمساك الكامل بمسار الأحداث. عليه، لا يمكن قراءة هذا الخطاب بوصفه موقفاً ظرفيّاً، بل كنصّ كاشف عن طبيعة الدولة اللبنانيّة في زمن الحرب: دولة تتكلّم كثيراً لأنّها لا تستطيع أن تفعل ما يكفي. كان كلامه يراوح بين اللغة والخوف من البلد وعليه، وحاول أن يحمي لبنان بالكلمات.
في الصواب السياسيّ، أُلقيت الكلمة في لحظة حربٍ على لبنان، وفي فضاء يتقاطع فيه الانهيار الاقتصاديّ، التفكّك الاجتماعيّ، وتعدّد مراكز القرار السياديّ. لكنّ ما يهمّ فيها ليس مضمونها المباشر فقط، بل بنيتها العميقة: كيف تُنتج السلطة خطابها حين تفقد قدرتها على الفعل؟ وكيف تتحوّل اللغة من أداة تعبير إلى أداة تعويض؟ كانت الكلمة تعبيراً عن خوف على لبنان ومن انفجاره جرّاء تناقضاته البنيويّة، وخصوصاً لجهة مفهوم السلم الأهليّ.
تضامن الخوف لا الإيمان
لم يكن ذهاب عون إلى إعلان أنّ “السلم الأهليّ خطّ أحمر” وصفاً لواقعٍ قائمٍ بقدر ما كان يستدعيه كقيمة عليا. ليس السلم الأهليّ، في السياق اللبنانيّ، معطى بنيويّاً، بل هو فكرة تُعاد صياغتها باستمرار لحماية مجتمع لم ينجح يوماً في التحوّل إلى جماعة سياسيّة متماسكة.
في علم الاجتماع السياسيّ، تقوم المجتمعات على منظومات من القيم المشتركة التي تُنتج التضامن. لكن في الحالة اللبنانية يبدو هذا التضامن أقرب إلى ما يسمّيه إميل دوركهايم “تضامناً سلبيّاً”، أي تضامناً قائماً على الخوف من الانهيار لا على الإيمان بالمشترَك. من هنا، رفع السلم الأهليّ إلى مرتبة “الخطّ الأحمر” لا يدلّ على قوّته، بل على هشاشته. القيم التي تحتاج إلى هذا القدر من التأكيد هي غالباً تلك المهدّدة بالانهيار.
ليس السلم الأهليّ في لبنان حالة مستقرّة، بل توازن هشّ يُعاد إنتاجه يوميّاً عبر التصريحات لا عبر المؤسّسات. يكشف هذا التحويل للسلم الأهليّ إلى “مقدّس سياسيّ” عن مفارقة أساسيّة: كلّما ارتفعت نبرة التحذير، دلّ ذلك على هشاشة الموضوع المُحذَّر منه. في هذا السياق، تتحوّل الدولة إلى ما يشبه “حارس الخطوط الحمر”، لا صانع الاستقرار. لا تعالج أسباب التوتّر، بل تسعى إلى ضبط نتائجه. هنا يظهر البعد السوسيولوجيّ العميق للمسألة: السلم الأهليّ في لبنان ليس نتاج عقد اجتماعيّ متماسك، بل نتيجة توازن قلق بين جماعات أهليّة تخشى الانفجار أكثر ممّا تؤمن بالعيش المشترك.
الأمن بديل السّياسة؟
يُلاحظ في الخطاب ميل واضح إلى إسناد مهمّة حماية السلم الأهليّ إلى الأجهزة الأمنيّة والعسكريّة. هذه ليست إشارة تقنيّة وحسب، بل تعبير عن تحوّل أعمق: انتقال مركز الثقل من السياسة إلى الأمن.
حين تصبح المؤسّسة العسكريّة هي الضامن الأساسيّ للاستقرار، فهذا يعني ضمناً أنّ السياسة فشلت في إنتاج توافق مستدام. هنا، يتّخذ الخطاب بعداً إشكاليّاً: هل يمكن للأمن أن يحلّ محلّ السياسة أم يؤجّل الانفجار فقط؟ تشير التجربة اللبنانيّة، كما تجارب دول متعدّدة، إلى أنّ الأمن قادر على ضبط الإيقاع، لكنّه غير قادر على تزخيم الحياة السياسيّة، أي أنّه يمنع الانفجار، لكنّه لا يمنع أسبابه.
يربط عون بين إثارة النعرات الطائفيّة وخدمة إسرائيل. يعكس هذا الربط تقليداً راسخاً في الخطاب السياسيّ اللبنانيّ، حيث تُفهم الأزمات الداخليّة من خلال مرآة الخارج. غير أنّ هذا التفسير، مع وجاهته الجزئيّة، يُخفي بُعداً أساسيّاً: الطائفيّة في لبنان ليست أداة بيد الخارج فقط، بل هي بنية داخليّة متجذّرة في النظام السياسيّ والاجتماعيّ.
يؤدّي اختزال الفتنة بعامل خارجيّ إلى نتيجتين خطِرتين: إلغاء مسؤوليّة النخب المحليّة عن إنتاج الانقسام، وتعطيل أيّ محاولة لإصلاح النظام من داخله. بمعنى آخر، يتحوّل الخارج إلى حُجّة تفسيريّة، بينما يبقى الداخل بمنأى عن النقد الجذريّ.
ليس الدفاع الحادّ عن الجيش، الذي خاضه عون، موقفاً سياسيّاً وحسب، بل محاولة لإعادة بناء “مركز” رمزيّ للدولة. في ظلّ تفكّك المؤسّسات، يصبح الجيش “آخر ما بقي” من فكرة الدولة الجامعة. لكنّ هذا الدور يحمل مخاطر: تسييس المؤسّسة العسكريّة، أو تحميلها ما لا تستطيع تحمّله. يحتاج الجيش، لكي يبقى عنصر استقرار، إلى أن يكون فوق الصراعات، لا في قلبها.
وقد خصص جزءاً لافتاً للدفاع عن الجيش، مستخدماً لغة حادة “من يتعرض للجيش يكون بلا شرف”، وهذا التشدد يعكس أمرين: إدراك تراجع الثقة بالمؤسسات، ومحاولة إعادة بناء شرعية الدولة عبر المؤسسة العسكرية. وفي السياق اللبناني، غالباً ما يُنظر إلى الجيش كآخر مؤسسات الدولة الجامعة. لكن تحويله إلى محور الصراع السياسي قد يضعه في موقع حساس. وأيضاً ومرةً أخرى، فالجيش، لكي يبقى عنصر استقرار، يحتاج إلى: تحييده عن التجاذبات، وليس إدخاله في معركة خطابية مع خصوم سياسيين. يميل الخطاب بوضوح إلى المقاربة الأمنيّة، حيث تُستدعى الأجهزة والمؤسّسة العسكريّة لتكون ضامناً أساسيّاً للاستقرار. غير أنّ التجربة اللبنانيّة أثبتت أنّ الأمن، في غياب تسوية سياسيّة عادلة، يتحوّل إلى مُسكِّن مؤقّت لا أكثر.
الدّبلوماسيّة خيار اضطراريّ؟
تشكّل عبارة عون عن “جرّ لبنان إلى حروب لا علاقة له بها” واحدة من أكثر لحظات الخطاب كثافة، إذ تحمل اعترافاً ضمنيّاً بوجود قرار حرب خارج الدولة. غير أنّ هذا الاعتراف لا يُستكمل بسؤال السلطة: إذا لم تكن الدولة صاحبة القرار، فمن هو؟ وما هو موقعها الفعليّ؟ هنا تتجلّى أزمة السيادة في أوضح صورها: دولة تعترف ضمناً بحدودها، لكنّها لا تملك أدوات تجاوزها.
تحمل هذه العبارة في طيّاتها نقداً سياسيّاً واضحاً، وإن جاء بصيغة غير مباشرة. تشير مُجدّداً إلى إشكاليّة كبرى في النظام اللبنانيّ: تركُّز مركز القرار في قضايا الحرب والسلم بيد جماعة هي بالتعريف “الحزب” الموالي لإيران. لكنّ هذا الطرح يثير سؤالاً جوهريّاً: إذا كان لبنان قد جُرّ إلى الحرب، فمن يملك قرار منعه؟ هنا تتجلّى حدود السلطة الرسميّة أيضاً: الاعتراف بالمشكلة، من دون القدرة على معالجتها. إنّها معادلة مألوفة في لبنان: تشخيص دقيق، مقابل عجز في التنفيذ.
يستند الخطاب إلى القانون الدوليّ في إدانة الاعتداءات الإسرائيليّة، في إشارة إلى المادّة الرابعة من اتّفاقيّات جنيف. لكنّ هذه اللغة القانونيّة، مع أهميّتها، تعكس محدوديّة الأدوات المتاحة للدولة. القانون الدوليّ، في السياق الشرق الأوسطيّ، غالباً ما يكون: مرجعيّة أخلاقيّة، لا أداة تنفيذيّة. هنا يظهر التناقض: تستند الدولة إلى شرعيّة القانون، لكنّها تفتقر إلى القوّة التي تجعل هذا القانون فعّالاً.
أيمن جزيني

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.