جولة في «رأس» فرنجيّة وباسيل والسيّد – 2

61

بقلم جان عزيز

«اساس ميديا»

يوم قتل الضابط سامر حنّا، قال للناس: «شو رايح يعمل ضابط من الجيش اللبناني بالجنوب؟»، دفاعاً عنك. وحين نبشوا تاريخ الرهائن الأجانب في بيروت الثمانينيات، خرج مدافعاً: «ومن قال لكم إنّ هؤلاء كانوا سيّاحاً؟!». ولمّا ذهبتم قبل عشرة أعوام للقتال في سوريا، قال لناسه: هذه مقاومة استباقية مشروعة. «واسألوني الثلاثاء المقبل إذا لم تكن قد انتهت الحرب».

جاء إليك عون ومعه 70 في المئة من المسيحيين. وراح يخسرهم تدريجياً بسبب تموضعه هذا. حتى انتهينا في الانتخابات الأخيرة قبل شهور بأقلّ من 20 في المئة ممّن اقترعوا. أو ممّن بقي في لبنان من شعبنا العظيم. كلّ ذلك كرمى للتفاهم معك يا سيّد.

وعلى دروب تلك الجلجلة الطويلة، تعرّضت أنا لاغتيال سياسي يوميّ. بل لحظيّ. من كلّ الناس. من بيتي أوّلاً ومن كلّ بيت في لبنان. وصولاً إلى اغتيال أميركي قانونيّ. بحجج وذرائع مغشوشة، مثل فيول سوناطراك.

وبعد كلّ هذا العذاب، يُطلب منّي أن أرمي خلفي كلّ شيء وأن أذهب لأنتخب سليمان فرنجية رئيساً؟!

ماذا أقول للناس؟ ماذا أقول لناسنا وناسي؟ إنّني قرّرت الانقلاب على نتائج الانتخابات التي لم يجفّ زيفها بعد، وتزكية من فاز بمقعد نيابيّ صافٍ واحد، على حساب المقاعد العشرين غير الصافية؟ أو إنّني اكتشفت أنّ نظرية الرئيس الأقوى في بيئته كانت خطأ؟! أو إنّني أقرّ وأعترف بأنّ السيّد هو من نصّب ميشال عون رئيساً قبل ستّة أعوام، وعليّ الآن احترام «موازاة الصيغ» والرضوخ للقاعدة نفسها، والإذعان لاختياره الرئيس المقبل، من نفس الموقع والقدرة الكليّة التي ساهمت في منحها له؟!

ماذا سيقول الناس عنّي وعنّا؟! إنّ دولة عائمة اشترتنا بالجملة؟! أو إنّ مليارديراً ما خارج لبنان، مليء الجيب خاوي الرؤية، اشترانا بالمفرّق؟! أو إنّني تحوّلت مجرّد مأمور في تركيبة نسجتها بيدي، أو منسّق سرايا المقاومة فرع البترون؟!

ظلم كبير أن أقبل بكلّ هذا. والظلم الأكبر أن يمشي المرء بما ليس مقتنعاً به.

تراجيديا نصرالله

يبقى الوضع التراجيدي الثالث عند السيّد حسن نصرالله. يعرف هو كلّ ما سبق. لكن ما العمل؟

لا شكّ أنّه يبتسم بعينيه الاثنتين لِمن هما بمنزلة عينيه الاثنتين. حرصاً وودّاً.

لكن في النهاية، أو هي منذ البداية، ليس السيّد مؤسّس شركة تعهّدات رئاسية. ولا مدير مؤسّسة حملات انتخابية. هو رأس مشروع كبير. أكبر من كلّ الأشخاص والأسماء. وربّما أكبر من البلد. وهو وكلّ مَن معه في خدمة المشروع. ولا أحد يكون المشروع في خدمته.

وعلى فرنجية وباسيل إدراك ذلك، أكثر من سواهما وقبل غيرهما. وعليهما أن يتبصّرا في أوضاع هذا المشروع الكبير اليوم. من قلب طهران إلى قلوب غالبية اللبنانيين الكاظمين «حبّهم». في المنطقة غليان كثير وكبير. ولا شيء يطمئن. والمشروع نفسه بات شبه محاصر اليوم في لبنان. الشارع السنّيّ معروف التوجّه. البيئة الدرزيّة أكثر. حتى داخل الشارع الشيعي بدأت ظواهر غريبة. إن لم تكن غربيّة. ها هما حسين قاووق ومحمد الدايخ مثلاً. ليسا مجرّد اسمين. هما رمزان لحالة شيعية تدّعي أنّها معنا في المقاومة. لكنّها ضدّنا في «المشروع».

التغييريّون صاروا أكبر كتلة اقتراعية. وهم خطر علينا جميعاً. ها هو جمرهم تحت رمادكما الضحل. على الرغم من كلّ ما فعلناه من تهويل وتخوين وتعميل (عمالة) وتسفير (سفارات)، نجونا منهم في الانتخابات الأخيرة، بأن تفرّقوا، أو أوصلوا من ليس مؤهّلاً لتجسيد آمال ناسهم. لكن ماذا لو أفادوا من هذا التعثّر بعد أربع سنين وتعلّموا من أخطائهم واتّعظوا وأوصلوا ثوّاراً أكثر وأقدر؟!

في ظلّ هذا المشهد المأزوم برمّته، تريدان منّي أن أقسّم ما لديّ وأن أبعثر ما تبقّى لكما ولنا في بيئتكما؟

رجاءً أوقفا هذه المهزلة. ولنهدأ كلّنا. ولننتظر. ثمّة مآزق يحلّها الوقت. لنأمل أن يكون هذا المأزق واحداً منها.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.