حاشية الأسد تتمزق بسبب السلطة والخيانات

77

تشبه العلاقة المضطربة بين رئيس النظام السوري بشار الأسد وابن خاله رامي مخلوف المعروف بأنه «أمين خزائن النظام» في تفاصيلها مسلسلا دراميا ظاهره الخيانات والصراع على السلطة والمال وباطنه محاولات مستميتة من رأس النظام «لتنظيف» الدائرة الضيقة للحكم.

وسلط تحقيق مطول  لمراسلة  صحيفة لوموند الفرنسية في بيروت بنجامين بارث  الضوء على هذه العلاقة المتقلبة التي اتسمت في بداياتها بالود وتقاطع المصالح اقتصاديا وسياسيا، قبل أن تنقلب إلى صراع «شرس» يسمح فيه باستخدام كل أنواع الأسلحة وأساليب المناورة.

ثلاثة عشر سنة بعد انتخاب الأسد لولاية ثانية في العام 2007 إثر حملة دعائية شارك فيها بقوة ومولها رامي مخلوف، لإظهاره رئيسا «معاصرا» و»متحكما» خلافا لوالده حافظ الأسد الذي حكم سوريا بالدم والنار، انتهى «زمن الود» بين «صديقي الطفولة».

فقد استولت حكومة الأسد -التي أنهكتها 9 سنوات من الحرب وكتمت أنفاسها العقوبات الدولية- على شركة الاتصالات «سيريتل» المملوكة لمخلوف بزعم تخلفها عن سداد مستحقات ضريبية.

كما جُمدت أصول رامي مخلوف (50 عاما)، واعتقل بعض كبار موظفيه ورجالاته داخل سوريا، في مؤشر واضح على مسعى من النظام لتهميشه وإقصائه من المشهد، بحسب الصحيفة.

رد مخلوف

لكن رامي مخلوف لم ينتظر طويلا للرد، حيث نشر سلسلة فيديوهات في حسابه على فيسبوك انتقد من خلالها الاتهامات بالتهرب الضريبي التي وجهت له، و«تعسف» الأجهزة الأمنية.

ويؤكد أيمن عبد النور المعارض السوري والمستشار السابق لبشار الأسد أنه «لو كان أحد آخر غير رامي مخلوف لتمت تصفيته في حينها، لكن هذه الجرأة مردها إلى أن الرجل يحمل اسم عائلة مرموقة يحميه، ولديه الكثير من الأموال مخبأة في حسابات وشركات وهمية بالخارج».

وتعود جذور العلاقة بين الرئيس بشار الأسد وابن خاله رامي مخلوف إلى علاقة والديهما حافظ الأسد ومحمد مخلوف اللذين جمعتهما السياسة وارتباط المصالح منذ وصول الأسد إلى الحكم إثر انقلاب حزب البعث العربي الاشتراكي عام 1970.

وعندما خلف بشار والده عام 2000 حافظ على إرث وطبيعة العلاقة بين العائلتين، حيث «أهدى» لرامي مخلوف إدارة شركة سيريتل للاتصالات، وكانت حينها شركة رائدة في سوق جديد وواعد. وفي عام 2006 أنشأ رامي مخلوف في إطار سياسة تطوير القطاع الخاص شركة قابضة عملاقة سماها «شام»، انضم إليها حوالي 70 رائد أعمال -كلهم سوريون- بصفتهم شركاء، من ضمنهم أسماء وازنة، وكان شعار الرجل في تلك المرحلة -كما يوثق موقع «سيريا ريبورت» في تقرير له- «انضموا لي ولكم نصيب من الكعكة، أو ابقوا بعيدا ولن تحضوا بشيء».

وفي الفترة ذاتها تقريبا، أطلقت أسماء الأسد مجموعتها الاقتصادية الخاصة تحت اسم «سوريا القابضة»، لكن قيمة الشركة ووزنها لا يقارنان بمجموعة رامي، حيث ضمت حوالي 20 مستثمرا، كلهم من رجال «الدرجة الثانية» في الاقتصاد السوري.

كما أسست زوجة الأسد جمعية خيرية تدعى «سوريا تراست» (الأمانة السورية للتنمية)، وهي أول منظمة غير حكومية في تاريخ البلاد. لكن أنيسة وابنتها بشرى (والدة وأخت بشار الكبرى) عملتا جاهدتين على كبح طموحات زوجة الرئيس، بحسب ما يؤكد أيمن عبد النور، ولم يكن بشار الأسد ينظر بعين الرضا إلى هذه «الشراهة في الاستثمار» التي اتسم بها رامي كما يؤكد ذلك رجل أعمال متنفذ في العاصمة السورية.

ونقل عن رامي مخلوف يوما قوله -خلال اجتماع مع شركائه، بعدما ضرب بقوة بيده على مكتبه- إن «لدينا المال، ولدينا السلطة»، كما قاطع كلام أحد الوزراء الذين نصحوه يوما بمراجعة طموحاته بغضب «أريد الكعكة كاملة»، بحسب ما ورد في كتاب «الأسد أو نحرق البلد» الصادر عام 2019 للصحافي اللبناني الأميركي سام داغر. بدأت المشاكل فعليا بالنسبة لرامي مخلوف في صيف 2019، وذلك عندما حاصر جنود الجيش السوري مقر مليشيا تابعة له في دمشق، حيث تم تسريح كل من كانوا ضمنها ودمجهم في صفوف القوات النظامية.

كما جرى في نفس الفترة طرد مسؤولي مؤسسة البستان الخيرية التي أسسها مخلوف عام 2011 لمساعدة عائلات قتلى جنود النظام، خصوصا من الطائفة العلوية، وتم الاستعاضة عنهم بآخرين موالين للسلطة.

وتلا ذلك فصل من العقوبات المالية، حيث تم تجميد أصول شركة «آبار للبترول» -وهي إحدى ركائز إمبراطورية مخلوف الاقتصادية- في كانون الأول 2019.

وفي منتصف نيسان الماضي أعلنت الحكومة السورية أنها تطالب بـ233 مليار ليرة سورية (حوالي 180 مليون دولار في ذلك الوقت) من شركتي سيريتل، و»إم تي إن» الشركة الثانية في سوق الهواتف الذكية بسوريا كمتأخرات ضريبية، ليقوم رامي مخلوف «المنبوذ الجديد» في عين النظام -بحسب الصحيفة- بعدها بنشر فيديوهاته الغاضبة التي كشفت تفاصيل القضية.

لوموند رأت في الإجراءات الأخيرة ضد رامي مخلوف «انتقاما» من زوجة الأسد (رويترز) استفزاز وانتقام.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.