حديث الجمعة – الإسلام يحمل رسالة التوحيد

20

بقلم الشيخ مظهر الحموي

يقول الله سبحانه وتعالى: بسم الله الرحمن الرحيم {وَمَاۤ أَرۡسَلۡنَا مِن قَبۡلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِیۤ إِلَیۡهِ أَنَّهُ لَاۤ إِلَـٰهَ إِلَّاۤ أَنَا۠ فَٱعۡبُدُونِ} صدق الله العظيم.

هذه هي القضية الكبرى التي تصدر عنها كل القضايا، والحقيقة العظمى التي تصدر عنها كل الحقائق،  وإليها ترد كل الأمور.

إنها قضية وحدانية الله سبحانه وتعالى، وهي الحقيقة اليقينية التي لا يأتيها ريب، ولا تخفى على ذي لب، وهي موضوع الدين كله، وخلاصة الهداية الكاملة ونور الإسلام والأرض، ونظام الوجود في نشأته واستقامته، وغاية من الغايات التي تنتهي إليها الخلائق، فكان حرياً بالإنسان أن يؤمن بها إيماناً مطلقاً يملأ العقل بالاقتناع والتسليم، ويملأ القلب بالاطمئنان والخشوع، كما كان حرياً بالمؤمن أن يكون إيمانه بوحدانية الله إيماناً نقياً من كل الشوائب، بريئاً من كل الأوهام، منزّهاً عن كل ما لا يليق بكمال الوحدانية، وعن كل مشابهة بالمخلوقات..

والإسلام هو الدين الوحيد الذي يحمل رسالة التوحيد في عالمنا المعاصر، بغض النظر عن كل المزاعم التي يحاول البعض إلقاءها على تصوراتهم ومقولاتهم للإدعاء بوحدانية الألوهة التي يجزؤنها ويركبونها ويجسمونها ويمثلونها، ثم يلجأون إلى التفسير الذي يتغير بتغير الأزمنة والثقافات، ولا يكون له أدنى صلة بالحق، أو بالمنطق أو بالفهم السليم.

لذلك كانت قضية المسلمين في هذا العصر، أن يتولوا ما قام به نبي الإسلام عليه الصلاة والسلام من دعوة إلى توحيد الله سنوات طوالاً، وهو يواجه مختلف أباطيل الشرك والكفر، لأن الإسلام هو هداية للإيمان الحق قبل أن يكون نظام دولة، أو تنظيم مجتمع، فهما وإن كانا من تعاليم الإسلام واهتماماته، إلا أنهما يأتيان في مرحلة تالية لتأسيس الإيمان.

والعالم اليوم يشكو من اضطراب في الإيمان، فهو وإن كان قد بلغ في المعارف الكونية ما يُبهر، وفي التقدم الحضاري ما يفوق التصور، وفي الإنجازات المادية ما يفوق كل ما سبقت إليه الأعصر، إلا أن هذا العالم يفتقد الحقيقة التي لا غنى عنها، والتي تجعل لحركته الفكرية والعلمية والوجودية غاية عليا، وحكمة ترفع من قدر الإنسان عن طريق إيمانه بالله، وتوجهه إليه، وعبادته له.

فالعالم اليوم مأخوذ بسكرة ما يجد بين يديه وما يستجد أمامه، حيث طغت المادة على فكره ونظره وأصبحت وحدها محل رؤيته ومجال تدبيره، حتى بلغت به الظنون ما بلغته بالجاهلين البدائيين الرجعيين الذين قالوا ما يهلكنا إلا الدهر، وهؤلاء يقولون ما يسعدنا إلا العلم، ولا تحيينا إلا المادة، وهم لا يعلمون إلا ظاهراً من الحياة الدنيا، فتملكهم الغرور ونسوا يد الله المهيمنة على التدبير.

لقد عادت الجاهلية الأولى، برفض الإيمان الحق، وبانصرافهم إلى آلهة يعبدونها مع الله، أو آلهة يعبدونها من دون الله، وهو إيمان وثني في مفهوم الإيمان الديني، وذلك ما أورث العالم الضلال العام الذي يغشاه، فتحولت العبادات طقوساً وثنية، وتراتيل شركية، لأن الأساس باطل، والتوحيد خاطئ، والتصور فاسد، ولم يبق في ساحة التعبد المستقيم إلا العبادة القائمة على الوحدانية، والخالصة لله وحده، وهي العبادة التي قررتها الآية الكريمة في قوله سبحانه وتعالى: {لَاۤ إِلَـٰهَ إِلَّاۤ أَنَا۠ فَٱعۡبُدُونِ}.

والجدير بالتقدير أن العبادات في الإسلام تنشأ عن حقيقة الوحدانية وتخلص في التوجه إلى الله وحده لا شريك له {.. فَمَن كَانَ یَرۡجُوا۟ لِقَاۤءَ رَبِّهِۦ فَلۡیَعۡمَلۡ عَمَلًا صَـٰلِحاً وَلَا یُشۡرِكۡ بِعِبَادَةِ رَبِّهِۦۤأَحَدَۢا}.

ففي الصلاة يعلن المسلم فيها {إِیَّاكَ نَعۡبُدُ وَإِیَّاكَ نَسۡتَعِینُ}.

وفي الحج يعلن المسلم فيه: “لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك”.

وفي الصوم يتحرر فيه المسلم حتى يقول فيه الحق سبحانه: {الصوم لي وأنا أجزي به}.

وفي الزكاة يتحرر فيها المسلم من سلطان المال لينال رضوان الله {وَمَاۤ ءَاتَیۡتُم مِّن زَكَوٰة تُرِیدُونَ وَجۡهَ ٱللَّهِ فَأُو۟لَـٰۤئكَ هُمُ ٱلۡمُضۡعِفُونَ}.

فالعبادة الملتزمة بالوحدانية هي العبادة التي تعبّر عن حقيقة الإيمان، وتتفتح لها أبواب السماء وترفع من قدر العابد وتحقق حكمتها وغايتها في نفس المؤمن، وفي مقام القبول.

وبذلك يتحمل أهل الإيمان الحق، والعبادة الحق، مسؤولية الدعوة الجادة إلى الحق، الذي {لم يلد، ولم يولد، ولم يكن له كفوا أحد}.

وصدق الله العظيم : {قُلۡ أَیُّ شَیۡءٍ أَكۡبَرُ شَهَـٰدَةۖ قُلِ ٱللَّهُۖ شَهِیدُۢ بَیۡنِی وَبَیۡنَكُمۡۚ وَأُوحِیَ إِلَیَّ هَـٰذَا ٱلۡقُرۡءَانُ لِأُنذِرَكُم بِهِۦ وَمَنۢ بَلَغَۚ أَئِنَّكُمۡ لَتَشۡهَدُونَ أَنَّ مَعَ ٱللَّهِ ءَالِهَةً أُخۡرَىٰۚ قُل لَّاۤ أَشۡهَدُۚ قُلۡ إِنَّمَا هُوَ إِلَـٰه وَ ٰحِد وَإِنَّنِی بَرِیۤء مِّمَّا تُشۡرِكُونَ}.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.