حديث الجمعة – الحُلُم في الإسلام

27

بقلم المهندس بسام  برغوت

«الحَلِيـمُ» هو من أسماء الله الحسنى، وهو من صيغ المبالغة، ومعناه: الذي لا يعجل على عباده بعقوبتهم على ذنوبهم.

ورد في القرآن الكريم كلمة “الحليم” إحدى عشرة مرة، منها  قوله تعالى “ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحـْذَرُوهُ وَاعْلَـمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ“ (سورة البقرة).

يعتبر الحُلُم خُلُقٌ عظيم من أخلاق الإسلام، وهو ضبطُ النفس عند الغضب، وكفُّها عن مقابلة الإساءة بالإساءة، مع تحكيم المسلم دينَه وعقله عند إيذاء الآخرين له، مع قدرته على ردِّ الإيذاء بمثله.

يتحلى الانسان الحليم  باللين وبالصبر على الناس ومعاشرتهم ، فيخالطتهم بإحسان وبأخلاق المؤمنين، وحقيقة الحلم يكون بعدم استعجال العقوبة والصبر على أذى الناس، وهي ميزة أبي الأنبياء سيدنا إبراهيم عليه السلام، حيث قال الله تعالى: “إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُّنِيبٌ” (سورة هود)، بل هي صفة من صفات مولانا جل جلاله، فهو الحليم وهو الرحيم، ومن آثارها أنها تعطي فرصة للإنسان كي يراجع نفسه ويأخد العظة والعبرة.

وَصَفَ الخالق عز وجل في كتابه الكريم بعضَ أنبيائه بالحُلُم؛ فإضافة الى وصفه سيدنا إبراهيم بالحليم وصف سيدنا إسماعيل عليه السلام ايضاً بالحلم في قوله تعالى: “ فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ” (سورة الصافات)، كما وردتْ آيات قرآنية عديدةٌ تشير إلى هذا الخُلق الفاضل، وتدْعو المسلمين إلى ضرورة التحلِّي به؛ قال تعالى: “ وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ“ (سورة آل عمران)، وقال عز وجل: “خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ“ (سورة الأعراف).

عندما نتأمل آيات القرآن الكريم التى تعالج “الحُلُم“ نجد أنها تذكره كصفة لله عز وجل ثم لأنبيائه  صلوات الله وسلامه عليهم. ورد في كتابه جل جلاله الكثير من الايات، اضافة الى ما جاء ذكره، التي تدعونا الى التحلي بهذه الصفة، فجاء في كتابه الكريم قوله تعالى: “لاَّ يُؤَاخِذُكُمُ اللّهُ بِاللَّغْوِ فِى أَيْمَانِكُمْ وَلَكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ”  (سورة البقرة) ، وقوله: “اعلّموا أّن اللَّه غّفور حّلٌيم“ (سورة البقرة) ،وقوله عز وجل “إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لأوَّاهٌ حَلِيمٌ“ (سورة التوبة)، ويلاحظ أن الصيغة اللغوية التى ذكر بها الحلم فى القرآن هى الصفة؛ ولكنها مع ذلك تشير إلى حث القرآن على الحلم بطريقة غير مباشرة، فهى صفة رفيعة وصف الله بها ذاته تعالى، ثم وصف بها أنبياءه عليهم الصلاة والسلام. وتقدير مرموق للمؤمنين الذين “وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ” (سورة الشورى).

إضافة الى ما ورد في القرآن الكريم، ورد عن النبى ﷺ الكثير من الاحاديث التي تدعونا ايضاً الى التحلي بالحلم والابتعاد عن الغضب منها قوله: “ما من جرعة أعظم أجرًا عند الله من جرعة غيظ كظمها عبد ابتغاء وجه الله“، وقوله: “ألا أدلكم على أشدكم؟ أملككم لنفسه عند الغضب“، وقوله أيضًا: “ليس الشديد بالصرعة، إنما الشديد الذى يملك نفسه عند الغضب“، ففى هذه الأحاديث حث صريح  إلى فضيلة الحلم. فالحُلُم اضافة الى انه يكفل لصاحبه البقاء ضمن إطار القانون والفضيلة ويجنبه تجاوزهما في الدنيا، فهو يكفل له الفوز في الاخرة. اما الخير الذى يجنيه الغير من حلم الحليم فهو الأمن من الظلم أو انتهاك الفضيلة والقانون بالاعتداء أو بالعقاب المخالف لهما.

ان الحُلُم هو الأناة والتثبت في الأمر، وضبط النفس وكظم الغيظ، والحليم هو الذي لا يستفزه الغضب، ولا يتسرع بالعقوبة، بل يتريث، ويتصرف على وفق مقتضيات الحكمة.

والحلم صفة من صفات ربنا فهو الحليم بعباده، “وَكَانَ اللَّهُ عَلِيماً حَلِيماً” (سورة الأحزاب)، ومعناه: الصبور الذي لا يستخفه عصيان العصاة، ولا يستفزه الغضب عليهم فيعجل بالانتقام منهم، ولكن يفسح لهم باب التوبة والندم، أو يمهلهم ليقيم عليهم الحجة، فإذا أخذهم أخذهم، بحق وحكمة، أخذ عزيز مقتدر: “إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته“. وليس معنى الحلم التباطؤ والكسل، وإنما هو وسط بين طرفين، وفضيلة بين رذيلتين، فإذا زاد عن حدُّه كان توانيًا وإهمالاً أو تبلُّدَ طبع، وانعدامه أو ضعفه عجلة وطيش وسرعة غضب، والأصل هو القصد والاعتدال.

ختاماً، ما أحوجَنا إلى التحلِّي “بالحُلُم“، هذا الخُلق الفضيل، والسلوك القويم، في هذه الظروف الصعبة التي نعيشها؛ حتى نكُون مِن الذين يُنعم عليهم الخالق عز وجل بالثواب العظيم. روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: “إذا جمَع اللهُ الخلائقَ، نادى منادٍ: أين أهل الفضل؟ قال: فيقُوم ناس، وهم يسير، فينطلقون سراعًا إلى الجَنَّة، فتتلقَّاهم الملائكة فيسألون: ما فضْلكم؟  فيقولون: كنا إذا ظُلِمنا صَبرْنا، وإذا أُسيءَ إلينا حَلمْنا، فيقال لهم:

”ادخلوا الجَنَّة، فنعم أجر العاملين”.

المهندس بسام برغوت

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.