حديث الجمعة – شُكْرِ النِعَمِ في الإسلام

33

بقلم المهندس

بسام برغوت

نِعَمُ الله عز وجل على عباده لا تُعَدُّ ولا تُحْصى .

قال تعالى في كتابه الكريم مخاطباً عباده: “وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَة اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا “ ( سورة إبراهيم).

الشكر هو جزاء الإحسان ، والثناء الجميل على مَنْ يقدم الخير والإحسان ، وأَجَلُّ من يستحق الشكر والثناء من الناس هو الله جل جلاله  لما له من عظيم النعَم والمنن على عباده في الدِّين والدنيا ، وقد أمرنا الله تعالى بشكره على تلك النعم ، وعدم جحودها ، فقال جل شأنه :  “فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلا تَكْفُرُونِ “ ( سورة البقرة ).

لقد منّ الله تعالى على الإنسان بالكثير من النِعَمِ التي لا يستطيع إحصائها، فسخّر الكون كلّه لخدمة الإنسان، وأعطاه كلّ ما يحتاج من وسائل لتحقيق غاياته في حياته، قال الله تعالى: “وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِّنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ” (سورة الجاثية )  ، وقد فرض الله عزّ وجلّ على الإنسان عبادته، وجعل طريق عبادته ميسّراً؛ رحمةً به، وإشفاقاً عليه، فوضع أمامه طرق الخير، وأرسل له الأنبياء، ودلّه على الطريق المستقيم،ويسّر له طرق الحصول على الحسنات ،وجعل فطرته سليمةً تحبّ الخير، وتبحث عنه.

من اجل ذلك وجب على الإنسان شكر الله تعالى على نعمه الكثيرة. إن على الإنسان أن يدرك أنّه مهما قام بشكر الله على نعمه ، فإنّ كرم الله أعظم من شكر الانسان له، وثنائه عليه؛ فالإنسان لا يستطيع إحصاء نعم الله من حوله حتى يؤدّي الشكر كله، قال الله تعالى: “وَآتاكُم مِن كُلِّ ما سَأَلتُموهُ وَإِن تَعُدّوا نِعمَتَ اللَّهِ لا تُحصوها إِنَّ الإِنسانَ لَظَلومٌ كَفّارٌ” (سورة ابراهيم )، لكنّ أقلّ ما يمكن أن يؤدّيه الإنسان تِجاه فيض النعم الالهية التي ينعم بها هو أن يتعلّم كيف يشكر ربه عزّ وجلّ على فضله.

ان وسائل شكر الله عزوجل على نعمه عديدة منها : الإكثار من حمده والثناء عليه ، السجود له ، واظهار نعمه  لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: “ إن الله يُحِبّ أن يرى أثرَ نعمتهُ على عبدهِ”، كما  ان من وسائل الشكر أن يجتهد المؤمن في قيام الليل شكراً لله عز وجل  وذلك اقتداءً برسول الله ﷺ ، لقوله “ أفلا أكُونُ عَبْدًا شَكُورًا”.

تتجلّى أهمية شكر الله على نعمه في أمورٍ عدّة منها: إنّ شكر الله على نعمه هو سببٌ في زيادتها لقوله تعالى في كتابه الكريم: “ لَئِن شَكَرتُم لَأَزيدَنَّكُم “ ( سورة ابراهيم ). إنّ الانسان قد يمتحن في شكره لله عز وجل كما امتحن الله سليمان عليه السلام، فجاء على لسانه في الكتاب الحكيم: “قَالَ هَـذَا مِن فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ “ (سورة النمل). إنّ عدم الشكر يقابله الكفر، كما جاء في القرآن الكريم، قوله تعالى: “ وَمَن شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ “ (سورة النمل ) ،كما ربط الكفر والشكر في موضع آخر، إذ قال تعالى: “ إِن تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنكُمْ وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِن تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ” (سورة الزمر). اضافة الى ذلك وعد الله تعالى أن يجزي الشاكرين، إذ قال في كتابه الكريم: “ وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ “ (سورة آل عمران ) . إنّ القرآن  يقرن العبادةَ بالشكر، في قول الله تعالى: “وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ “ (سورة البقرة ) .

ان التزم العبد بأوامر ربّه سبحانه وتعالى، يجعله عبداً شكوراً؛ فيرفع الله قدره، ويكتب له الأجر العظيم في الدنيا والآخرة. إن من فضائل الشكر التي يجنيها العبد الشكور  ما اوضحه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بقوله: “ عجباً لأمرِ المؤمنِ، إن أمرَه كلَّه خير، وليس ذاك لأحدٍ إلّا للمؤمنِ، إن أصابته سراءُ شكرَ، فكان خيراً له “ . ان العبد الشكور بشكره يصل إلى رضا الله تعالى، حيث قال الله عزّ وجلّ: “ وَإِن تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ” (سورة الزمر) .كما ان العبد الشكور يأمن عذاب الله تعالى في الاخرة بإذنه، حيث قال: “ مَّا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَآمَنتُمْ “ (سورة النساء)، كما يتمتّع  بزيادة في الرزق والنِعم. وينال الأجر الجزيل من الله سبحانه في الآخرة .

ختاماً ، جَعْلَ الله شكره سَبَبًا لِلْمَزِيدِ مِنْ فَضْلِهِ: إذ قال تعالى: “ وَإِذ تَأَذَّنَ رَبُّكُم لَئِن شَكَرتُم لَأَزيدَنَّكُم وَلَئِن كَفَرتُم إِنَّ عَذابي لَشَديدٌ “ ( سورة ابراهيم ) ، كما ان الخليفة علي بن أبي طالب كرم الله وجهه قال لرجلٍ: “إنَّ النعمة موصولة بالشكر، والشكر متعلقٌ بالمزيد، وهما مقرونان في قرن، فلن ينقطع المزيد من الله عز وجل حتى ينقطع الشكر من العبد “.

إن الله سبحانه هو المُنعم على عباده، فقد أخبرنا أنّ مَنْ يشكر الله بصدقٍ على النّعم، يديمها عليه، ويزيدها سعة، ومن يجحد ولا يشكر الله، ويظنّ أن ما لديه من نعمٍ هي من صنع يديه ، فان عقاب الله يكون بإزالة تلك النعم عنه.

فما أعظم أن يستشعر المسلم ثناء الله عليه عندما يقوم “ بعبادة الشكر” على النعم، وهي في الأساس كلّها منه سبحانه، فقد قال تعالى مخاطباً  الشاكرين: “ إِنَّ هَـذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاءً وَكَانَ سَعْيُكُم مَّشْكُورًا “ ( سورة الانسان ).

المهندس بسام برغوت

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.