حديث الجمعة – عَمَلُ الخَيْر في الإسلام

14

بقلم المهندس

بسام برغوت

من الألفاظ المركزية في القرآن لفظ “الخير“، حيث ورد هذا اللفظ ما يقرب من مئة وثمانين مرة، حيث ورد في معظمها “اسماً“، كقوله تعالى: “ذلكم خير لكم“ (سورة البقرة)، وورد في مواضع اخرى “فعلاً“، منها قوله تعالى: “وربك يخلق ما يشاء ويختار” (سورة القصص).

إن عمل خير حتى ولو بكلمه هو عند الله تعالى صدقة يثاب المؤمنَ عليها، ويقول النبي عليه افضل الصلاة واتم التسليم: “كل مَعروفٍ صَدقةٌ“ ؛ اي ان كل معروف له حكم الصدقة في الثواب والأجر. فالاسلام اعتبر عمل الخير نوعاً من أنواع العبادة، ولذلك فقد دعا الله عزّ وجلّ إلى فعل الخير في القرآن الكريم، ووعد اهله بالفلاح والفوز، كذلك اعتبر الإسلام فعل الخير علامةً على الإيمان الصحيح والعقيدة السليمة، وجعله الزاد الحقيقيّ للمسلم في الاخرة وحثّ على فعل الخير سواء كان  قليلاً او كثيراً.

ويُعدّ عمل الخير من تجليات أخلاق أهل الإيمان  وعباد الله المحسنين؛ فالإحسان يشمل العديد من وجوه الخير وتقديم المساعدة للغير، كما في قول الله تعالى: “وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ*الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّـهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ“ (سورة آل عمران). كما ان الانفاق في سبيل الله والالتزام بأخلاق السماحة وتقديم المساعدة المعنوية والمادية وكذلك تقديم النصيحة الصادقة لوجه الله تعالى، تشكل اساساً من اسس الخير عملاً ودعوة التي يتمسك بها الاسلام ويدعو المؤمنين الى الالتزام بها.

عندما يقوم المسلم بفعل الخير، لا بدّ أن يكون هذا العمل خالصاً لوجه الله تعالى، فقد وعد الله تعالى عباده بالثواب في الدنيا والآخرة، ولكن إذا كان المقصد من هذه الأعمال الدنيا فقط، فلن تنفع صاحبها بشيء، قال الله تعالى: “مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ“ (سورة الشورى)، ومن فضل الله على عباده ورحمته بهم أن جعل الثواب والنفع في الدنيا، لكنه جعل القصد الأساسي من الفعل في الآخرة، فيبارك الله في أموال من يُخلص العمل لوجهه، ويبعده عن الآفات وشرورها، ويكون عند الله من المحسنين. وقد بين رسول الله صلى الله عليه وسلم أن كل فعل من أفعال الخير يفعله الإنسان المسلم لغيره يكون له بمثابة الصدقة، فقد جاء في الحديث: “كل سلامى من الناس عليه صدقة، كل يوم تطلع فيه الشمس، يعدل بين الاثنين صدقة، ويعين الرجل على دابته فيحمل عليها أو يرفع عليها متاعة صدقة، والكلمة الطيبة صدقة، وكل خطوة يخطوها إلى الصلاة صدقة، ويميط الأذى عن الطريق صدقة“.

لعمل الخير في الإسلام ثمرات عدة؛ منها ما هو متعلق بالدنيا ومنها ما هو متعلق بالاخرة. إن من ثمرات  عمل الخير: تحقيق الفلاح والنّجاح، كسب السّمعة الطيّبة، وكسب المكانة العالية بين النّاس في الدنيا، تحصيل الأجر والثواب والفوز بالنّعيم  في الجنّة في الاخرة. يتجلَّى كل ذلك من خلال الأمور الآتية: علم الله تعالى بالعمل في الحياة الدنيا، وشعور صاحب العمل أنّ الله تعالى يراه، وإنه اصطفاه لعمل الخير؛ الأمر الذي يؤدي إلى التشجيع على الاستمرار به، وعلى المثابرة فيه بكل عزيمة ونشاط، والاتّصاف بصفات عباد الله المتّقين، والاقتداء بالأنبياء عندما وصفهم الله تعالى بالمسارعة بالخيرات؛ كما وصف الله تعالى نبيّه زكريا عليه السّلام، وطائفة من أهل الكتاب، فقال تعالى: “لَيْسُوا سَوَاءً مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّـهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ*يُؤْمِنُونَ بِاللَّـهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَـئكَ مِنَ الصَّالِحِينَ“(سورة آل عمران).

إنّ العمل الصالح هو الغاية والحكمة من خلق السماوات والأرض، وما جعل الله فيهما من مخلوقات وزينة، فقد قال تعالى: “وَهُوَ الَّذي خَلَقَ السَّماواتِ وَالأَرضَ في سِتَّةِ أَيّامٍ وَكانَ عَرشُهُ عَلَى الماءِ لِيَبلُوَكُم أَيُّكُم أَحسَنُ عَمَلًا” (سورة هود)، فمن حقّق العمل الصالح فهو العبد المستقيم الفائز، والعمل الصالح هو كل عمل يقوم به العبد ويقصد به وجه الله، وللعمل الصالح ثمرات تعود على صاحبها بالنفع في الدنيا والآخرة، منها الاستخلاف في الأرض، وتمكين الدّين، والأمن بعد الخوف، وتكفير السيئات، ودخول الجنة بأعلى الدرجات، ومن فضل الله على أهل الإيمان أنّهم إذا تابوا يجعل الله سيئاتهم حسنات، ويجزيهم على ندمهم على ارتكابها، كما إنّ الشهادة لصاحب العمل الصالح في الدنيا من عاجل البشرى له، ومقامه ودرجاته عند الله تزداد وترتفع مع كل عمل صالح يقوم به ويفعله، فيجزيه الله تعالى من كرمه على أفضل أعماله لا أوسطها ولا أقلها.

ختاماً ، إنّ مساعدة الناس من أعظم أبواب الخير التي حثّ عليها الإسلام، فقد جاءت شرائع الإسلام من أجل بناء العلاقة الايمانية ما بين العبد وربه،  وبين الناس أنفسهم، وعليه فإنّ الإسلام رغّب بتقديم النفع والخير للآخرين قدر الاستطاعة، وحتى ولو كان النفع مقدماً للحيوانات مثلاً، ومن النوايا التي تنفع المسلم في هذا المجال، أن ينوي أولاً إخلاص عمله لله وانتظار الثواب منه وحده، ومن فضائل تقديم النفع للآخرين، ان عمل الخير بالمواصفات الايمانية الاسلامية  يتحول الى نوع من الإحسان، ومنه قول الرسول صلى الله عليه وسلم: “المسلمُ أخو المسلم لا يظلمهُ ولا يُسلمهُ، ومن كان في حاجة أخيه كان اللَّه في حاجته، ومن فرّج عن مُسلمٍ كربةً، فرَّج اللَّه عنه كُربةً من كُربات يوم القيامة، ومن ستر مسلماً سترهُ اللَّه يوم القيامة”، ويبين هذا  الحديث الشريف فضل قضاء حوائج المسلمين والستر عليهم،  مما يزيد في افضال مساعدة الآخرين.

المهندس بسام برغوت

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.