حديث الجمعة – قصة الحج في الإسلام

27

بقلم المهندس بسام برغوت

يعتبر “الحج” أعظم مؤتمر سنوي إسلامي يلتقي فيه المسلمون من جميع أنحاء العالم مع اختلاف ألوانهم ولغاتهم، تجمعهم رابطة الإسلام وهم ينشدون “لبيك اللهم لبيك”. فالحج هو الركن الخامس من أركان الإسلام الخمسة، وشعيرة من شعائر الله العظيمة، لقول الله تعالى {ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا}.

وردت كلمة “حج” بمعنى “قَصد وَزِيَارةُ مَكَانُ مُقَدسَ” حيث كان في الماضي لكل قوم آلهة، ولهذه الآلهة أماكن يَقصَدها للحج والتعبد، ويكون الحج بأدعية وتوسلات عند مخاطبة الآلهة، وكان الحج عند العرب قبل الإسلام في شهر ذي الحجة كما هو حجنا اليوم.

بدأ الحج في جزيرة العرب مع بناء البيت الحرام الذي جعله الله أول بيت وضع للناس بعد أن رفع قواعده أبو الأنبياء سيدنا ابراهيم عليه السلام وقد أمره الله أن يُسكن أسرته عنده، كما أمره بأن يُؤَذّن في الناس ليصبح الحج شريعة وعبادة متبعةً وموسماً حَرِصَ العرب عليه.

عندما جاء الإسلام، كانت قريش ما زالت تُمارس الشعائر القديمة، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يشهد الحج كعادة العرب كل عام، وبعد البعثة الشريفة حرص عليه الصلاة والسلام على إبلاغ دعوته إلى القبائل الوافدة إلى الحج، وأستمر على هذا كل عام حتى هجرته الشريفة إلى المدينة.

في السنة التاسعة للهجرة أوفد النبي صلى الله عليه وسلم بعثة “حج” على رأسها الخليفة أبو بكر الصديق رضي الله عنه ليؤذن في الناس، وليؤكد للناس أنه لا يحج ولا يطوف بعد عامه هذا إلا مُسِلمٌ لقول الله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إنما المشركون نجسٌ فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا}، فكانت حجته تمهيداً لحجة النبي صلى الله عليه وسلم. في العام الذي يليه، أي في السنة العاشرة للهجرة.

في هذه السنة، أعلن الرسول محمد صلى الله عليه وسلم عن عزمه زيارة المسجد الحرام “حاجاً”، وأحرم للحج ثم لبى قائلاً: “لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك”. وبقي مُلبياً ومن معه حتى دخل مكة، وطافوا بعدها جميعاً بالبيت الحرام سبعة أشواط وتسلموا الحجر الأسود وصلّوا ركعتين عند مقام إبراهيم وشربوا من ماء زمزم، ثم سعوا بين الصفا والمروة، وفي اليوم الثامن من ذي الحجة توجهوا إلى منى فباتوا فيها، وفي اليوم التاسع توجهوا إلى عرفة فصلوا فيها الظهر والعصر جمع تقديم في وقت الظهر، ثم خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم “خُطبة الوداع” والتي نزلت بعدها الآية: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا}. وبعد غروب شمس يوم عرفة نزل الرسول ومن معه إلى مزدلفة وصلوا المغرب والعشاء فيها جمع تأخير، ثم نزلوا إلى مِنى وأتموا مناسك الحج من رمي للجمار والنحر والحلق وطواف الإفاضة.

يرجع منسك السعي بين الصفا والمروة أثناء تأدية فريضة الحج إلى زمن سيدنا إبراهيم عليه السلام، حيث تعتبر زوجته السيدة هاجر أول من سعى بين الصفا والمروة، حينما كانت تلتمس الماء لابنهما النبي إسماعيل وكان طفلاً، وكانت تصعد على جبل الصفا ثم تنزل حتى لتصعد ثانية إلى جبل المروة، وقد كرَّرت ذلك سبع مرات، حتى وجدت الماء عند موضع زمزم، فشربت وأرضعت ولدها. فلما جاء الإسلام جعل ذلك من مناسك الحج.

ويرجع منسك رمي الجمرات الثلاث (الكبرى والوسطى والصغرى) على امتداد أيام العيد الثلاثة الأولى في مشعر مِنى إلى زمن سيدنا ابراهيم عليه السلام أيضاً، إذ إنه عندما همّ بتنفيذ رؤياه بذبح ابنه سيدنا إسماعيل عليه السلام، اعترضه إبليس في ثلاث مواضع ليصده عن ذبح إبنه إسماعيل عليه السلام، فرماه سيدنا إبراهيم بسبع حصوات في هذه الأماكن التي يقوم الحجاج فيها برمي الجمرات، فلما جاء الإسلام جعل ذلك الرمي من مناسك الحج.

أما منسك الوقوف بعرفة يوم التاسع من ذي الحجة والذي يبدأ مع زوال شمس ذلك اليوم ويستمر حتى طلوع فجر اليوم التالي الذي هو أول أيام عيد الأضحى، فيرجع إلى وقوف سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم بجبل عرفة في “حجة الوداع” في السنة العاشرة للهجرة، أي في يوم أطلق عليه “يوم عرفة”، وإلقائه لـ”خطبة الوداع” لتعم بركة ذلك اليوم على المسلمين لقوله صلى الله عليه وسلم: “خير الدعاء دعاء يوم عرفة”، وقوله “ما من يوم أكثر أن يعتق الله فيه عبيداً من النار من يوم عرفة”. ليصبح وقوف الحجيج بعرفة في ذلك اليوم منسكاً من مناسك الحج.

ختاماً، إن أركان الإسلام الخمسة تتماهى وتتكامل، فشهادة أن لا اله إلا الله وأن محمداً رسول الله هو تماه يحقق الوحدة بين المسلمين، والصلاة مع الجماعة تماهٍ يحقق وحدة المجتمع الإسلامي كتفاً إلى كتف خمس مرات في اليوم، والصوم يحقق مشاركة الجماعة سواءً بالامتناع عن الطعام والشراب أو في الإفطار في وقت واحد، والزكاة – وكذلك الصدقة – حق معلوم من القادر إلى المحتاج تحقيقاً للتكافل الاجتماعي الذي يدعو له الإسلام، ليأتي الحج بأروع تجلياته، مناسبة يتحقّق فيها توحيد الله تعالى، يُظهر فيها الحجّاج افتقارهم لعظمته – عز وجل -؛ فيلبسون متوحدين ومجتمعين ملابس الإحرام بزي واحد وكساء واحد وبدعاء واحد وبتوجه إلى الله الواحد، متجرّدين من كلّ مظاهر الزينة، في مشهد مهيب يذكّرهم بيوم الوقوف بين يديّ الله – عز وجل -؛ فتلهجُ ألسنتهم بذكر الله، وتعمرُ قلوبهم باستشعار رحمته وعفوه سبحانه وتعالى. ذاكرين الحديث القدسي الذي رواه الصحابي جابر بن عبدالله الأنصاري رضي الله عنه عن يوم عرفة في قوله: “يتجلى الله تعالى في السماء الدنيا، فيباهي بأهل الأرض أهل السماء فيقول: انظروا إلى عبادي، جاؤوني شعثاً غبراً ضاجين، جاؤوا من كل فج عميق، يرجون رحمتي”.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.