حديث الجمعة – للهداية أبواب
المهندس بسام برغوت
من أعظم النعم التي يمنّ الله بها على عباده، أن يمنحهم الهداية، وهي الطريق الذي يقود الإنسان إلى معرفة الحق والعمل به وبلوغ السعادة في الدنيا والآخرة. وقد تضافرت نصوص القرآن والسنة لتبيّن أنّ للهداية أبواباً كثيرة، نخص منها بابين عظيمين هما: “العقل” و “السمع”، فبهما يتكامل إدراك الإنسان للحقائق، ويتوازن تكوينه المعرفي والإيماني، ويبتعد عن الضلال والهوى والجهل. وفي هذا المقال سنتحدث عنهما، وعن كيفية عملهما، وأثر كل منهما في بناء الهداية.
أولاً: العقل بوصفه طريقاً من طرق الهداية:
العقل هو الأداة التي خُلقها الله في الإنسان ليتفكر بها ويهتدي إلى الحق. وقد ورد في القرآن الكريم عشرات الآيات التي تخاطب العقل وتدعو إلى استخدامه في النظر والتفكر، كقوله تعالى: “أفلا تعقلون”(سورة البقرة)، “أفلا تتفكرون” (سورة الأنعام)، وغيرها من الصيغ التي تُعلي من شأن التفكير وتستنكر الجمود والتقليد الأعمى. وهذا النداء المتكرر يؤكد أنّ الهداية ليست أمراً يُنال من غير سعي، بل تحتاج إلى نظر وتقدير واستجابة فكرية تبني يقين الإنسان.
- وظيفة العقل في تمييز الحق من الباطل :
يقوم العقل بعملية فرز مستمرة بين الأشياء، فهو يميّز بين النافع والضار، والصحيح والباطل، والعدل والظلم. وهذه القدرة على التمييز هي أساس الهداية، إذ تُمكّن الإنسان من اختيار الطريق الأصوب. فالعقل السليم يهدي صاحبه إلى إدراك وجود الخالق، وإلى أنّ هذا الكون لم يُخلق عبثاً، وأنّ منظومته المحكمة تدل على حكمة وعلم وقدرة. كما يهديه إلى إدراك قبح الفساد والظلم، وجمال العدل والإحسان. ومن هنا، كان العقل ميزاناً داخلياً يغرس في الإنسان الشعور بالمسؤولية، ويمنعه من الانسياق وراء هواه.
- العقل بين الحرية والمسؤولية :
العقل ليس مجرد قدرة معرفية، بل هو أيضاً مصدر تكليف. فالإنسان العاقل مسؤول عن أفعاله لأنه قادر على إدراك نتائجها. ومن دون عقل يفقد الإنسان القدرة على التمييز، وبالتالي لا يكون محلاً للتكليف. ولذلك، فإن الهداية العقلية تحرّك الإنسان نحو الالتزام الأخلاقي، لأنها تذكّره بأن الحرية ليست انطلاقاً بلا ضوابط، بل هي وعيٌ متكامل يقود إلى الفعل الرشيد. ومن هنا، تظهر قيمة العقل في الهداية: فهو لا يكتفي بالكشف عن الحقائق، بل يدفع الإنسان إلى العمل بها.
- حدود العقل والحاجة إلى الوحي:
على الرغم من مكانة العقل، إلا أن له حدوداً لا يستطيع تجاوزها. فهناك قضايا تتعلق بالغيب والشرائع والتشريعات الدقيقة لا يمكن للعقل أن يصل إليها بمفرده. وهنا تأتي أهمية السمع، إذ يكمل العقل ويهديه فيما يعجز عنه. فالعقل يمهّد الطريق للقبول بالوحي، ويُظهر ضرورة الرسالة، ولكن تفاصيل هذه الرسالة لا تُعرف إلا بالسمع.
ثانياً: السمع بوصفه طريقاً من طرق الهداية:
فهو الباب الذي يتلقى الإنسان من خلاله تعليمات الوحي الإلهي، وقد اهتم القرآن الكريم بالسمع اهتماماً بالغاً، وقرنه بالبصر والفؤاد، كما في قوله تعالى: “إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولًا ” (سورة الإسراء).
- الوحي أساس السمع الهادي:
من خلال السمع يتعلم الانسان الآيات فيتأمل معانيها، ويسمع توجيهات النبي صلى الله عليه وسلم فيتّبع سنته، وهذا السمع الهادي يُعدّ نوراً من الله، يضيء للإنسان ما غاب عنه، ويكشف له الحق حين يلتبس.
- أثر السمع في تصحيح المفاهيم :
كثير من الناس قد يقعون في اعتقادات خاطئة أو سلوكيات منحرفة، فتأتي أهمية السمع، لتصحّح المفاهيم من خلال تلقي العلم الصحيح، فعندما يسمع الإنسان تفسيراً لآية، أو شرحاً لحكم شرعي، أو بياناً لحكمة إلهية، تتغير رؤيته وتزداد بصيرته.
- السمع طريق للتأثر الروحي:
يمتلك السمع تأثيراً روحياً عميقاً، فكثير من القلوب تلين لسماع القرآن الكريم أكثر مما تلين لقراءته، وكثير من النفوس تتأثر بالموعظة المسموعة أكثر مما تتأثر بالقراءة الصامتة.
ثالثاً: تكامل العقل والسمع في صناعة الهداية:
ليست الهداية قائمة على العقل وحده ولا على السمع وحده، بل تتحقق بكمالهما، فالعقل يفتح المجال للنظر والتأمل، والسمع يفتح المجال لتلقي الوحي والعلوم.
- العقل يمهّد والسمع يكمل:
العقل يمهّد للقبول بالوحي من خلال إدراك ضرورة الرسالة، ومعقولية الإيمان بالله، واتساق التشريع. والسمع يأتي ليكمل هذا البناء، فيبيّن تفاصيل ما جاء به الوحي.
- أثر الجمع بينهما في تحصين الإنسان:
إذا استند الإنسان إلى العقل وحده ربما ضلّ، لأنه قد يُخطئ التقدير أو يتأثر بالأهواء، وكذلك إذا اعتمد على السمع وحده دون فهم، فقد يقع في التقليد الأعمى أو سوء الفهم، لذلك لا بد من اقترانهما للوصول الى المعرفة والحقيقة.
ختاماً،
إنّ الهداية نعمة عظيمة، وسبلها متعددة، ولكنّ من أبرزها:
– ” العقل ” الذي وهبه الله للإنسان ليتفكر به ويهتدي
– و” السمع ” الذي به يتلقى الوحي والعلم النافع.
فالعقل يكشف للإنسان معاني الكون، والسمع يُعلّمه تفاصيل الشرع، وبتكاملهما تتحقق الهداية الكاملة التي تثمر الإيمان العميق، والعمل الصالح، والخلق القويم.
ومن هنا، ينبغي على الإنسان أن يُفعّل عقله في النظر، وأن يُرهف سمعه للحق، وأن يجمع بين التفكير السليم والاستماع الواعي، حتى يسير في طريق النور والرشاد، ويبقى التوفيق من الله تعالى هو الأساس.
المهندس بسام برغوت
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.