حديث الجمعة_وجادلهم بالتي هي أحسن

28

المهندس بسام برغوت

الدعوة إلى الله من أشرف المهام التي حملها الأنبياء والمرسلون، وهي رسالة تقوم على البلاغ بالحكمة، والتأثير في القلوب قبل العقول. ومن بين الأساليب التي أرشد إليها القرآن الكريم في هذا السياق، يبرز مبدأ الحوار الراقي الذي يقوم على اللين والرفق، كما جاء في قوله تعالى: “وجادلهم بالتي هي أحسن” (سورة النحل). هذه العبارة القصيرة تحمل في طيّاتها منهجًا متكاملًا في التعامل مع الآخرين، خاصة عند الاختلاف في الرأي أو العقيدة، حيث تدعو إلى استعمال أجمل الأساليب وأرقّ العبارات، بعيدًا عن القسوة والتعصّب.

إن الجدل في الإسلام ليس مرفوضًا بالإطلاق، بل هو وسيلة من وسائل إظهار الحق، بشرط أن يكون قائمًا على الأدب والاحترام. فالإنسان بطبيعته قد يختلف مع غيره في الأفكار والمعتقدات، لكن هذا الاختلاف لا ينبغي أن يتحوّل إلى نزاع أو خصومة، بل إلى فرصة للتفاهم والتقارب. وهنا تأتي أهمية قوله تعالى: “وجادلهم بالتي هي أحسن”، حيث يضع قاعدة ذهبية للحوار البنّاء، الذي يهدف إلى الهداية لا إلى الغلبة، وإلى الإقناع لا إلى الإهانة.

وقد جسّد النبي صلى الله عليه وسلم هذا المبدأ في حياته اليومية، فكان يحاور المخالفين بأدبٍ، ويستمع إليهم بصبر، ويُجيبهم بالحجة واللين. لم يكن يعتمد على الشدّة أو الإكراه، بل كان يُخاطب العقول والقلوب معًا، مما جعل الكثيرين يدخلون في الإسلام عن اقتناع ومحبة. وهذا يدل على أن الكلمة الطيبة والأسلوب الحسن قد يكونان أقوى تأثيرًا من أي وسيلة أخرى.

إن من أهم ما يُفهم من هذه الآية هو ضرورة اختيار الأسلوب المناسب عند الحوار. فليس كل الناس يتقبلون نفس الطريقة، بل يجب مراعاة ظروفهم وثقافتهم ومستوى فهمهم. فالحكمة تقتضي أن يُخاطب كل إنسان بما يناسبه، وأن تُستخدم العبارات التي تُقرّب ولا تُنفّر. قال تعالى: “ادعُ إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة” (سورة النحل).

ومن آداب الجدل الابتعاد عن السخرية والاستهزاء، لأن ذلك يُغلق أبواب الحوار ويُثير العداوة. فالمجادل الحكيم هو من يحترم الطرف الآخر، حتى لو كان مخالفًا له، ويُظهر له التقدير، مما يُهيئ بيئة مناسبة للنقاش المثمر. كما أن استخدام الألفاظ اللطيفة والعبارات الهادئة يُسهم في تهدئة النفوس، ويُساعد على تقبّل الأفكار الجديدة.

ولا يقتصر هذا المبدأ على الدعوة الدينية فقط، بل يشمل جميع جوانب الحياة، سواء في الأسرة أو المجتمع أو العمل. فالخلاف بين الناس أمر طبيعي، لكن طريقة التعامل معه هي التي تُحدد نتائجه. فإذا تمّ الحوار بأسلوب حسن، فإن ذلك يُعزز العلاقات ويُقوّي الروابط، أما إذا كان بأسلوب قاسٍ، فإنه يُؤدي إلى التفرّق والنزاع.

كما أن الجدل بالتي هي أحسن يتطلب الصبر وضبط النفس، لأن الحوار قد يتخلله استفزاز أو إساءة من الطرف الآخر. وهنا يظهر معدن الإنسان، فإما أن يردّ بالمثل، فيتفاقم الخلاف، أو أن يلتزم بالهدوء ويُقابل الإساءة بالإحسان مما قد يُحوّل العدو إلى صديق، كما أمر الله تعالى بقوله: “ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم” (سورة فصلت)، والمجادل الناجح هو من يجمع بين الأسلوب الحسن والمضمون القوي، فيُقدّم أفكاره بطريقة مقنعة ومنطقية، دون تعالٍ أو استعلاء.

وفي عصرنا الحالي، أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي ساحة واسعة للنقاشات والجدالات، لكن للأسف، يغيب فيها كثيرًا هذا المبدأ القرآني العظيم. فنرى الكثير من الحوارات تتحول إلى مشادات كلامية، مليئة بالإهانات والتجريح، مما يُفقدها قيمتها ويُبعدها عن الهدف الحقيقي للحوار. ولذلك، نحن بحاجة ماسّة إلى استحضار قوله تعالى: “وجادلهم بالتي هي أحسن” في كل نقاش نخوضه، سواء كان مباشرًا أو عبر الإنترنت.

إن الالتزام بهذا الأسلوب لا يعني التنازل عن الحق أو التهاون في المبادئ، بل هو تعبير عن قوة الشخصية ونضج الفكر. فالشخص الذي يملك الحجة لا يحتاج إلى الصراخ أو الإساءة، بل يكفيه أن يُعبّر عن رأيه بثقة وهدوء. وهذا ما يجعل الآخرين يحترمونه ويستمعون إليه.

ومن ثمار الجدل الحسن أيضًا، نشر روح التسامح في المجتمع، وتقليل النزاعات والخلافات. فعندما يتعلم الناس كيفية الحوار باحترام، فإن ذلك يُسهم في بناء مجتمع متماسك، يسوده التفاهم والتعاون. كما أنه يُعزز من صورة الإسلام كدين رحمة وعدل، يدعو إلى الخير بأسلوب حضاري وإنساني.

ولا بد من الإشارة إلى أن هذا المبدأ يحتاج إلى تدريب وممارسة، فهو ليس أمرًا فطريًا عند الجميع. فقد يجد البعض صعوبة في التحكم في انفعالاته أو في اختيار الكلمات المناسبة، لكن مع الوقت والتجربة، يمكن تطوير هذه المهارة. ويكفي أن يستحضر الإنسان نية صادقة في الإصلاح، وأن يتذكر أن هدفه هو الوصول إلى الحق، لا الانتصار للنفس.

ختاماً ،

إن قوله تعالى: “وجادلهم بالتي هي أحسن” يُمثّل قاعدة أخلاقية عظيمة، تصلح لكل زمان ومكان. فهو دعوة إلى الارتقاء بأسلوب الحوار، والابتعاد عن العنف اللفظي، واعتماد الحكمة واللين في التعامل مع الآخرين. وإذا التزم المسلمون بهذا المنهج، فإنهم لن ينجحوا فقط في إيصال رسالتهم، بل سيكسبون قلوب الناس واحترامهم. فالكلمة الطيبة صدقة، والحوار الحسن طريق إلى الهداية، ووسيلة لبناء عالم أكثر سلامًا وتفاهمًا.

المهندس بسام برغوت

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.