حديث رمضان – … وهو شهر المواساة..

48

بقلم الشيخ د. مالك الشعار

لأنه شهر الله عزّ وجل..

ولأنه أفضل الشهور وسيّدها

فهو شهر القرآن والتنزيل..

وهو شهر الرحمات، والتجلّيات

وهو شهر المغفرة والتوبة والعتق من النار.

وهو شهر التزكية والتخلية، بل شهر التحلية والتجمّل بالفضائل والقِيَم والأخلاق. ولذلك كانت المواساة من أعظم الصِّفات وأميزها.. فهي حصادُ الشهر الكريم وثماره وهي صفة المؤمنين والنبلاء والأتقياء ولا تنبع إلاّ مِنْ نفوسٍ صافية طاهرة.. ومن قلوب مؤمنة تقية.. فهي في معناها المراد محضُ الشعور بالآخرين والرّفق بهم ممن أعوزتهم الحاجة والفاقة من الفقراء والمساكين والمحرومين الذين يظنهم الجاهل أغنياء من التعفف.

رمضان شهر المواساة هو قول النبي صلّى الله عليه وسلم كما جاء في خطبته الشهيرة التي خطبها في آخر جمعة من شعبان…

والمواساة هي الاثر الدّال على حقيقة الإيمان وكماله.. بل لُبّه ومضمونه.. ولا تتحقق إلاّ بالسلوك العملي.. والتطبيق الفعلي والذي يبدأ بالإحساس، والشعور بالآخر ولوْ بالكلمة الطيّبة.. وطلاقة الوجه، وسعة الصّدر والمسح على الرأس.. وفي قول النبي صلّى الله عليه وسلم: «من فطّر فيه صائماً كان مغفرة لذنوبه وعتقاً لرقبته من النار وله من الاجر مثله دون أن ينقص من أجر الصائم شيء وعندما قالوا يا رسول الله ليس كلنا يجد ما يفطر الصائم عليه؟ فقال صلوات الله وسلامه عليه يعطي الله هذا الثواب من فطر صائماً على تمرة، أو شربة ماء أو مذقة لبن» دليل حتمي وحضٌّ ديني وتعبدي على الشعور بالآخر والإحساس بجوعه وعطشه وفقره وفاقته، بل هو شعور بالأخوة الدينية والإنسانية التي تربطه بالآخرين أيّاً كانوا..

لأنّ الدين يفرض ويوجب علينا أن نتراحم.. ونتواصل.. ونتقارب.. ونتواد.. وأن يشعر كلّ منا بالآخرين وخاصّة في أحزانه وآلامه وحاجته وفاقته.. «فما آمن بي من بات شبعان وجاره جائع وهو يعلم». كما جاء في الحديث النبوي الصحيح، وكذلك: «لا يؤمن أحدكم حتى يجب لأخيه ما يحب لنفسه».

نعم إن واحدة من مقاصد العبادات بل مقاصد الدّين أن يتراحم الناس، ويتعارفوا، ويتآلفوا وفي قول الله تبارك وتعالى: {يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكرٍ وأنثى، وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا} غنية ودليل وشاهد بيّـن…

وإذا كان التراحم من مقاصد العبادات فلأنّ المجتمعات في تصوّرنا الإسلامي والديني لا تقوم إلاّ على المحبة والتعاون والتقارب وتراص الصفوف…

والمواساة رغم انها صفة فطريّة الى حدّ كبير. ولكن صفاءها ونماءها، وتكافلها، وسعة أطرها، بل رفقها وشفافيتها لا تتألق ولا تتحقق إلاّ في محاضين الإيمان وعبقه، وفي أكناف القرآن وتعاليمه وهديه ومع الصحبة والبيئة المؤمنة التي عَرفت وذاقت طعم الإيمان وحلاوته..

والإيمان -وايم الحق- له طعمٌ ومذاقٌ، وحلاوةٌ من شأنها أن تستحوذ على الكيان، بل على المشاعر فتتملك خلجات النفوس وتسكنها، وتستل سخائم السرائر وتهدىء من روعها، فينعم الانسان بالأمن النفسي والإستقرار، ثم تغشاه السكينة فتقوى بصيرته، وتزول عتمة القلب وغشاوة البصر فيرتقي الانسان في معارج الكمال الانساني والقيمي ويحقق بذلك إنسانيته وإيمانه وتقواه، ويشبع عطشه وظمأه الفطري فكأنّ المواساة حاجة للطرفين إنْ لم أقل بأنّ المبادر أحوج لهذا الفعل نفسياً من حاجة الآخر مادياً.

وكما ان للإيمان حلاوة ولذة وطعماً فإنّ العبادة لها حقيقة ومضمون وبعدٌ ومرمى.. فلا تقوم العبادة مبنًى دون معنى…

فالكلمة الطيّبة، وشربة الماء، ومذقة اللبن، والتمرة أو شقّها مواساة للآخر وهي عبارة مطلوبة بل هي مفاتيح الخير وكنوزه فكيف بكفالة اليتيم، والسّعْي على الأرملة والمسكين.

إنها منازل الخيرية والأنفعية والوقاية والتحصين «فالخلق كلهم عيال الله وأحبهم الى الله أنفعهم لعياله» حديث شريف..

«وخير الناس أنفعهم للناس» حديث شريف.

«الصّدقة تطفئ غضب الربّ كما يُطفئ الماء النار، وتدفع ميتة السّوء» حديث شريف..

وفي حديث آخر: «حصّنوا أموالكم بالزكاة، وداووا مرضاكم بالصّدقة، واستقبلوا أمواج البلاء بالدعاء والتضرّع».

«وصنائع المعروف تقي مصارع السّوء» حديث شريف..

«ومن نفّس عن مؤمن كربةً من كرب الدنيا، نفّس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة» حديث شريف..

ورمضان الذي هو شهر المواساة هو الشهر الذي يزاد فيه رزق المؤمن، وهو الذي كان فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود من الريح المرسلة، هو الشهر الذي ينادي فيه المنادي أيا باغي الخير أقبل، ويا باغي الشر أقصر.

والذي لا يجوز أن يغيب عنا في هذا الشهر خاصّة وفيما عداه أن المواساة لا تعني العطاء وحده من دون الشعور بالآخرين والتألم لآلامهم وتحمّل شيء من المصاب.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.