“حصانة” إيران أم “الحصن” الإسرائيليّ؟

62

بقلم د.سمير صالحة

«اساس ميديا»

لماذا تعمّدت طهران ليلة السبت المنصرم الكشف عن كلّ تفاصيل خطة الهجوم الذي أعدّته ضدّ تل أبيب انتقاماً لاستهداف قنصليّتها في دمشق قبل أسبوعين والتسبّب بسقوط قيادات رفيعة في الحرس الثوري الإيراني، على الرغم من أنّ تل أبيب لم تبلغها مسبقا بخطة مهاجمتها في قلب العاصمة السوريّة؟

لماذا كلّ هذا الطبل والزمر الذي واكب تحريك المسيّرات والصواريخ الإيرانية، والكشف عن ساعة الصفر قبل ساعات من وصول أسلحتها إلى أهدافها المعلنة. التي لم تصلها أصلاً؟ وما الذي يعنيه بيان السفير الإيراني في الأمم المتحدة الذي طمأن المجتمع الدولي إلى أنّ العملية محدودة وتأتي في إطار المادّة 51 من ميثاق الأمم المتحدة وهدفها الردّ على الاعتداء الإسرائيلي، وأنّ الأمر ينتهي عند هذا الحدّ؟ ولماذا مسارعة المحلّلين الإيرانيين للإعلان أنّ ما تريده إيران هو فرصة إعادة الاعتبار وليس تفجير الوضع الإقليمي. وأنّ الهجوم منخفض التأثير على الرغم من أصوات محرّكات الصواريخ والضجيج الإعلامي. بدليل أنّ طهران كشفت عن نوعية الأسلحة التي استخدمتها ليستعدّ الطرف الآخر مبكراً ويتّخذ خطواته المناسبة للردّ؟

إيران والتغريد خارج السّرب الرّوسيّ

التقت حسابات ومصالح إيران وروسيا والصين أكثر من مرّة في التعامل مع ملفّات إقليمية استراتيجية. ما فعلته طهران ليلة الثالث عشر من نيسان هو عبارة عن توجيه رسائل إلى العواصم الغربية وإسرائيل بأنّها جاهزة للتغريد خارج السرب الروسي والصيني مرّة أخرى. فهل تنجح في إقناع واشنطن وتل أبيب بفوائد العودة إلى طاولة الحوار معها؟

سيناريو حدوث تفاهمات إيرانية إسرائيلية على حساب دول المنطقة بين الاحتمالات أيضاً بعد الآن. بخاصّة عند دخول الوسطاء على خطّ التهدئة واقتناع واشنطن أنّ محاولة الإيقاع بين طهران من جهة وموسكو وبكين من جهة أخرى أفضل بكثير من إشعال الجبهات وتعريض مصالح شركائها وحلفائها في الإقليم للخطر.

أعلن السفير الإسرائيلي في ألمانيا، رون بروسور، أنّ بلاده ستوجّه ضربة مضادّة لمنشآت عسكرية إيرانية ردّاً على الهجوم الذي شنّته إيران على إسرائيل نهاية الأسبوع المنصرم، وأنّه لا يمكن التنازل عن هذا الردّ. “متى وأين وكيف؟ هذا ما سيحدّده مجلس الحرب الإسرائيلي”. هل يبقى العالم يتفرّج على مناورات الردّ والردّ على الردّ؟

قرّرت طهران الردّ على نتنياهو عبر محاولة استهداف الداخل الإسرائيلي مباشرة. من تصدّى لها وأسقط مسيّراتها وصواريخها هي القوات الأميركية والبريطانية والفرنسية. ألن تسأل عن سبب مهاجمتها على هذا النحو؟ وهل تفعّل المادّة 51 من ميثاق الأمم المتحدة ضدّهم أم المسألة لا تستحقّ؟ بالمقابل تحتفظ دمشق وبغداد وعمّان بحقّ الردّ ضدّ طهران التي حاولت عبور أجواء هذه البلدان عسكرياً كي تصل إلى أهدافها في إسرائيل. لم يتمّ استدعاء سفراء إيران بعد لتسليمهم مذكّرات الاحتجاج والمطالبة بعدم تكرار ما جرى. هذا يمنح تل أبيب فرصة اختراق أجواء هذه الدول للوصول إلى طهران أيضاً.

إسرائيل لن تقلّد طهران

تقرّر تل أبيب الردّ من جديد، لكنّها لا تختار تقليد طهران. بل تفعيل سيناريو آخر، وهو مهاجمة السفارة الإيرانية في بيروت مثلاً. كيف سيتعامل المجتمع الدولي مع تحرّك من هذا النوع؟ دمشق لا علم لها بما جرى ليلة الأول من نيسان داخل أراضيها. الحكومة اللبنانية قد تجد نفسها في وضعية لا تحسد عليها أيضاً. كيف ستتعامل إيران وحليفها الحزب مع هجوم استفزازي كارثيّ من هذا النوع؟

إيران وإسرائيل وجهان لعملة واحدة في الإقليم. يعيشان على توتير الأجواء وتأزيم الأوضاع في المنطقة. ما جرى بين الأوّل من نيسان والثالث عشر منه فرصة للإطاحة بسياسات ومواقف البلدين معاً والحؤول دون مفاجآت سوداوية أكبر كما يتصوّر البعض. الحلّ ليس الرهان على تركهما يذهبان إلى المواجهة العسكرية الطاحنة على طريقة “فخّار يكسّر بعضو” التي ستضعف قوّتهما معاً، لأنّهما لن يقعا في المصيدة. ولأنّ ذلك لن يتمّ دون إقحام أكثر من دولة في فخّ تحمّل الأعباء والارتدادات. بل الحلّ يكون من خلال التقريب بين ما تقوله العواصم الغربية والشرقية المؤثّرة وسحب الكثير من الأوراق التي تلعبها القيادات الإيرانية والإسرائيلية ضدّ دول المنطقة. الفرصة هي في إقناع واشنطن وموسكو وبكين معاً بخطورة ما يجري وحجم ارتداداته على التوازنات الإقليمية والدولية الحسّاسة والسريعة العطب.

بالمقابل، نجحت واشنطن في تحييد العديد من العواصم العربية والإسلامية في التعامل مع تطوّرات الحرب في غزة. وتمكّنت من منع إيران ومَن ينسّق معها من التحرّك خارج الصندوق. وأهمّ ما وصلت إليه أيضاً كان إضعاف الموقفين الروسي والصيني هناك. سيناريو التقريب بين طهران وتل أبيب بين الأوراق التي قد تحرّكها واشنطن للإمساك بالكثير من خيوط اللعبة بعيداً عن “وجع الرأس” التركي والعربي. هل يسمح حلفاء إيران على الحلو والمرّ مثل روسيا والصين بنجاح سيناريو من هذا النوع؟

عروض ومقايضات أميركية مع روسيا والصين ذات طابع استراتيجي سياسي واقتصادي وأمنيّ قابلة لإقناعهما بدعم تحرّك من هذا النوع،. خصوصاً إذا ما أشعلت إيران وإسرائيل الضوء الأخضر أمام مثل هذه الأفكار. من تفاهم في إيران مع “الشيطان الأكبر” في عام 2015 قادرٌ على التفاهم مع “الشيطان الأصغر” في عام 2024 عندما تلتقي المصالح والأهداف.

الحبكة العجميّة

الحبكة هي قوّة الدفع التي تعطي كاتب القصّة تصوّراً عامّاً عن الطريقة التي يريد من خلالها أن يفعّل تراتبية الأحداث وتسلسل الوقائع. يختار الحدث الذي يريد تقديمه أو تأخيره لزوم التشويق والإثارة قبل أن يصل إلى النتيجة التي يعدّ لها من خلال حبكة السيناريو. الحبكة العجمية أو اللعبة العجمية مصطلح عثماني قديم يذكّر بالحروب والصراعات بين الأتراك والإيرانيين عبر التاريخ وما واكب ذلك من خدع ومناورات سياسية وعسكرية. وهو مصطلح يردّده الأتراك حتى اليوم خلال حديثهم عن مسألة فيها الكثير من المناورات بطرق ملتوية من أجل الوصول إلى الغاية. حبس العالم أنفاسه قبل أسبوع وهو يتابع بقلق ما فرضته طهران على الجميع لساعات. الحبكة العجمية ليلة السبت المنصرم لا تختلف كثيراً عن حبكة سيناريو فيلم “حمّى ليلة السبت” للممثّل الأميركي جون ترافولتا الذي عُرض عام 1977 وتخلّله الكثير من الرقص والإثارة.

منحت تل أبيب في الأوّل من نيسان طهران فرصة الردّ على مهاجمة قنصليّتها في دمشق. وردّت طهران التحيّة بعد أسبوعين. الأصوات المتعالية في إسرائيل تقول إنّ الردّ حتمي من جديد. تل أبيب تمنح إيران المزيد من الفرص للاستقواء إقليمياً. وطهران تمنح إسرائيل المزيد من العطف والدعم الغربي. فلماذا تفوّت واشنطن مثل هذه الفرصة؟

يقول الفيلسوف الصيني سون تزو في مؤلّفه “فنّ الحرب” الذي اعتُبر لفترة زمنية طويلة مرجعاً استراتيجياً للكثيرين إنّ أفضل الخيارات في الحرب هو التريّث ومحاولة حصد ثمارها دون دخول المعركة. سيناريو آخر يحتاج إلى الردّ الأميركي أيضاً. تتوتّر علاقات شركاء أميركا في المنطقة مع حليفها الإسرائيلي لسبب ما. تصل الأمور إلى سيناريو مشابه لما جرى على خطّ 1 – 13 نيسان. كيف ستتصرّف واشنطن التي دعت طهران وتل أبيب قبل أيام إلى الحذر والواقعية في التعامل مع مخاطر التصعيد في الإقليم؟ هل تتبنّى الموقف نفسه أم تترك الأمور تنفلت بحسب متطلّبات مصالحها؟

د.سمير صالحة

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.