حقل ألغام
بقلم جميل كامل مروة
ثلاث ساعاتٍ جمعَت ترامب بنتنياهو، ثم خرج الرئيس الأميركي إلى منصّته المفضّلة لا إلى منبر الدولة، ليقول: أقنعتُ رئيسَ حكومة إسرائيل بأن يفضّل المسار الدبلوماسي مع إيران… على أن تبقى “الوسائل الأخرى” حاضرةً على الطاولة.
وحين يتحدّث رجلٌ مثل ترامب عن “وسائل أخرى”، لا يكون المقصود ديكورًا لفظيًا في مؤتمر صحافي. يكون المقصود أن الطاولة نفسها قابلةٌ للاشتعال.
في تل أبيب، تتراجع شعبية نتنياهو في الداخل إلى حدود الأربعين بالمئة، بينما ترفع استطلاعاتٌ إسرائيلية ترامب إلى مرتبةٍ أغرب: ثلاثةٌ وسبعون بالمئة من الإسرائيليين يؤيّدون رئيسًا أميركيًا أكثر مما يؤيّدون رئيس حكومتهم. هذه مفارقةٌ لا تقع صدفةً. إنها علامة زمن: السياسة تتحوّل إلى رهانٍ خارجي، والقرار يتغذّى من خارج الحدود أكثر مما يتغذّى من داخلها.
ولهذا يهرع نتنياهو إلى واشنطن قبل موعدٍ كان مقررًا الأسبوع القادم، ليُدخل لقاءه في قافلةٍ أمنيةٍ – استخباريةٍ – عسكريةٍ تتوافد على العاصمة الأميركية. عنوانها واحد: تنسيق الاحتمالات… والاحتمالات في الشرق الأوسط ليست أرقامًا على ورق؛ هي دمٌ على أرض.
وبينما تتبارى آلة “الهاسبرا” في الهجوم على ولي العهد السعودي، وتلوّح بتأنيب “تجميد التطبيع”، وتراقب حركة الإمارات في اليمن والبحر الأحمر، يفتتح ترامب مجلس “السلام” القادم ليعيد تدوير وصفة كوشنر ويستأنف الحديث عن إعمار غزة… وكأن غزة مشروعُ مقاولاتٍ في معرض دولي، لا جرحٌ مفتوحٌ على شاطئ المتوسط.
وفي آخر كانون الأول، يزداد الضباب كثافةً من بكين: أخبارُ صراعٍ خلف الستار، واعتقالاتٌ في دوائر حسّاسة، وصورةٌ لا تستقر. ثم تخرج المخابرات الأميركية إلى مخاطبة الصينيين بالفيديوهات: “أيها العسكريون والإداريون والعلماء والأكاديميون… زوّدونا بالمعلومات.”
وحين تصل الدول العظمى إلى طلب الشرح من خصومها عبر الإعلانات، اعلموا أن النظام الدولي لا يقرأ الواقع… بل يفتّشه.
وفي هذا الضجيج، تتحرّك حاملات الطائرات من بحرٍ إلى بحرٍ: “أبراهام لنكولن” تغادر محيط الصين نحو بحر العرب تحسّبًا لإيران، و“جيرالد فورد” تتجه لتؤازر. مفاوضاتٌ تُستأنف في جنيف يوم الثلاثاء، بينما لغة البحر تقول شيئًا آخر: المفاوضة تسير فوق صفيحٍ ساخن.
ويضيف ترامب شروطًا على العراق، ويضغط في اختيار رئيس الوزراء، فيما تواصل إيران تصدير نفطها إلى الصين ولو بأسعارٍ مخفّضة. ثم تدخل المعادن الثمينة على الخط، وتلوّح بكين بورقةٍ تهزّ صناعة الإلكترونيات، وهي العمود الفقري لسباق الذكاء الاصطناعي. وفي المقابل، يفاخر ترامب بتوسيع مصادر النفط من فنزويلا، ويوحي لإيران: أعددتُ البدائل… حتى لو أغلقتم هرمز.
أما سوريا فتتحرّك بخطواتٍ متدرّجة نحو ترتيباتٍ جديدة تحت عين تركية–أميركية، وتصبح مؤتمرات الأمن والاجتماعات الدبلوماسية مسرحًا لإعادة توزيع الأدوار.
ويبقى لبنان… على الهامش؟
كلا. لبنان في القلب، ولكن كالمريض الذي يختلف الأطباء حول جراحته، ويتنازع الورثة على سريره.
إسرائيل تشدّد على لبنان وتواصل حربها على حزب الله كأن اتفاق وقف الأعمال العسكرية لم يكن. وترامب يدعم بلا تعليق، أو يرسل “تعليقات” على لسان مبعوثين لا يرون في لبنان وطنًا بل ملفًا أمنياً. ثم تجتمع لجنة العلاقات الخارجية في الكونغرس، ويشهد أمامها مندوبون من مؤسساتٍ معروفة الهوى، ويتحوّل النقاش من “المساعدة” إلى “الخنق”: كيف نُمعن الضغط؟ كيف ندفع الدولة اللبنانية إلى التصادم الداخلي؟ كيف نقترح العقوبات حتى على رأس السلطة التشريعية؟
كل ذلك… بوقاحة اللامبالاة تجاه غياب وجهة نظر الحكومة اللبنانية، وكأن الدولة هنا صمتٌ مباح.
يخطئ من يغشّه أسلوب ترامب العشوائي الاستعراضي فيظنّه لا يعلم ماذا يفعل. الرجل لا يبيع الفوضى من باب العبث. يبيعها كقناعٍ ليدٍ من حديد. قبضةٌ تشدّ فريقه كما تشدّ الأصفاد، وتجعل القرار حكرًا على رجلٍ واحد.
حتى العمالقة الجدد في المال والذكاء الاصطناعي أدّوا الطاعة… لا حبًا، بل خوفًا من كلفة العصيان.
هذا ما تدحرجت إليه العلاقات الدولية: إمبراطورٌ يمسك أقوى العسكر والاقتصاد، ولا ناهٍ ولا جازر.
غير أن ترامب… في أصل تكوينه… تاجر مغامر. ومنطق التاجر لا يتزوج المبادئ. يتزوج الصفقة.
إذا كانت الدنيا تحتار في التعامل مع هذا “الإمبراطور–التاجر”، فماذا يفعل لبنان المُقعد؟
الجواب: يستطيع الكثير. شرط أن يكفّ عن التمثيل على نفسه.
“الكثير” ليس خطاباتٍ ولا لافتات. “الكثير” يبدأ من الداخل:
أحزاب العقود الأربعة ما زالت مبرمجة على وأد نمو الدولة، تتوهّم أن شراء الوقت يُطيل بقاءها. لا دواء ينتظر صحوةً طوعيةً منها. لكن الحقيقة الأوضح: تلك الأحزاب فقدت سلاح الإرهاب والتعالي على القانون كما كان. وغالبية اللبنانيين تركت هذيان الزعامات لحاله، واتجهت تنتظر من العهد والحكومة “إشارة انطلاق” لا “إشارة صبر”.
لبنان ليس فقير المواهب.
الموهبة تفيض. الخبرات واثبة في أصقاع الدنيا. المال ضاق من انتظار الثقة كي يدرّ خيره على المشاريع.
لكن الثقة لا تأتي بالدعاء. الثقة تُبنى بالفعل: قيادةٌ نظيفة الكف، واضحة التنفيذ، تقيس كل وعدٍ بميزان الإنجاز لا بميزان التصفيق.
والخطر الأكبر ليس ترامب وحده، ولا الضباب العالمي وحده. الخطر أن يبقى لبنان أسير أحزابٍ تُتقن تعطيل الدولة أكثر مما تُتقن بناءها.
أمامنا حقل ألغامٍ دولي، نعم. لكن الأخطر أن نزرع الألغام داخل بيتنا، ثم نطالب العالم أن ينقذنا من انفجارٍ صنعناه بأيدينا.
لبنان لا يحتاج معجزة. يحتاج جرأة “مغامرة إلى الأمام”: تركُ أحزاب الأربعين سنة خلفنا، لا على الورق بل في القرار، وفي الإدارة، وفي القضاء، وفي الجيش، وفي اقتصادٍ يُدار كدولة لا كغنيمة.
حينها فقط… يصبح الضباب العالمي أقل قدرةً على إيذائنا.
لأن الدولة التي تعرف طريقها، لا تُضلّها العواصف.
جميل كامل مروة
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.