حملة “معك نواف سلام”: بين شرعية الدولة ومنطق الدويلة
بقلم د. ابراهيم العرب
في خضمّ التحوّلات السياسية الدقيقة التي يعيشها لبنان، برزت حملة “معك دولة الرئيس نواف سلام” بوصفها تعبيراً سياسياً واجتماعياً عن صراع عميق بين مشروعين متناقضين: مشروع الدولة القائمة على الشرعية الدستورية والمؤسسات، ومشروع الدويلة الذي يقوم على تعددية مصادر القرار والسيادة. وهذه الحملة لم تكن مجرّد ردّ فعل عابر على سجال سياسي، بل تحوّلت إلى مؤشر دالّ على إعادة تشكّل الوعي السياسي لدى شريحة واسعة من اللبنانيين.
ينطلق هذا النقاش من شخصية رئيس مجلس الوزراء، القاضي الدكتور نواف سلام، الذي يُعدّ من الوجوه القانونية والفكرية البارزة على المستويين العربي والدولي. فمسيرته المهنية، سواء في الحقل الأكاديمي أو القضائي، ولا سيما خلال رئاسته لمحكمة العدل الدولية، تعكس التزاماً واضحاً بمبادئ القانون الدولي والعدالة. كما أن مواقفه التاريخية، التي اتسمت برفض سياسات الاحتلال الإسرائيلي وإدانة ممارساته، تشكّل جزءاً من رصيده الوطني، ما يجعل محاولات تخوينه ووصمه بصفات تتناقض مع تاريخه موضع تساؤل مشروع من منظور التحليل السياسي الرصين.
وفي هذا الإطار، تبرز الإشكالية الأساسية: هل يمكن اعتبار التمسك بالدستور اللبناني، وبـاتفاق الطائف، وبمبدأ حصرية السلاح بيد الدولة، خروجاً عن الثوابت الوطنية أو انحيازاً إلى أجندات خارجية؟ أم أن هذه المواقف تمثّل، في جوهرها، إعادة تأكيد على فكرة الدولة الحديثة التي تحتكر العنف الشرعي وتدير شؤون المجتمع وفق قواعد قانونية واضحة؟
لقد جاءت الحملة التضامنية مع رئيس الحكومة في سياق تصاعد الخطاب التخويني، الذي لجأت إليه بعض القوى السياسية في مواجهة قرارات حكومية اعتُبرت مهدِّدة لنفوذها. غير أن نقل الاحتجاجات من إطارها الرمزي إلى محيط السراي الحكومي يعكس، في دلالاته السياسية، محاولة للضغط على السلطة التنفيذية عبر الشارع، وهو ما يعيد إلى الأذهان أنماطاً من الممارسة السياسية التي لطالما ساهمت في إضعاف مؤسسات الدولة وإدخال البلاد في دوّامات من عدم الاستقرار.
ومن منظور تحليلي، يمكن قراءة هذه التحرّكات بوصفها امتداداً لمنطق “تسييس الشارع” في مواجهة “مأسسة القرار”. فبدلاً من الاحتكام إلى الآليات الدستورية، يجري اللجوء إلى التعبئة الشعبية كوسيلة لفرض توازنات سياسية جديدة. غير أن هذا النهج يحمل في طيّاته مخاطر جمّة، أبرزها تعميق الانقسامات الداخلية وفتح الباب أمام احتمالات الفتنة، في مجتمع متعدّد وحسّاس كالمجتمع اللبناني.
في المقابل، يعبّر الدعم الذي حظي به الرئيس سلام عن رغبة متنامية في تكريس نموذج الدولة القادرة والعادلة. فالهجوم عليه لا يمكن فصله عن القرارات التي اتخذتها الحكومة في إطار محاولة إعادة الاعتبار لسيادة الدولة، سواء في ما يتعلّق بالعلاقات الدبلوماسية أو بتنظيم مسألة السلاح. من هنا، فإن الدفاع عنه يتجاوز شخصه ليطال مبدأ أساسياً هو حماية الشرعية الدستورية من محاولات الإضعاف أو الالتفاف.
غير أن النقطة المفصلية التي تستوجب إضاءة تحليلية معمّقة تتمثّل في مسألة “الميثاقية” وحدود استخدامها في العمل الحكومي. فالتلويح باستقالة وزراء طائفة معينة، أو استخدام هذا التهديد كأداة ضغط، لا ينبغي أن يُفسَّر على أنه قدرة دستورية على تعطيل السلطة التنفيذية. ذلك أن التوازنات الحكومية، وفق القراءة الدستورية الدقيقة، لا تمنح أي مكوّن بمفرده ما يُعرف بـ”الثلث المعطّل” بصورة تلقائية، ولا سيما إذا لم يكن هذا الثلث متحققاً عددياً بشكل صريح داخل مجلس الوزراء.
وعليه، فإن القول بأن استقالة الوزراء الشيعة تؤدي حكماً إلى شلل حكومي أو سقوط الميثاقية هو قول يحتاج إلى تدقيق. فالميثاقية، بوصفها عرفاً سياسياً، تهدف إلى ضمان التمثيل لا إلى تكريس التعطيل. ومن هنا، فإن إمكانية تعيين بدلاء من الطائفة ذاتها، في حال حصول استقالة، تبقى خياراً دستورياً مشروعاً، يهدف إلى حماية استمرارية عمل المؤسسات، لا سيما في ظل ظروف استثنائية تمرّ بها البلاد، من حرب مفتوحة، إلى أزمة نزوح داخلي، إلى تحديات الإغاثة وإعادة الإعمار.
كما أن الإصرار على تعطيل الحكومة في لحظة وطنية حرجة، حيث تتطلب المرحلة أعلى درجات التنسيق التنفيذي لمواجهة العدوان الإسرائيلي وإغاثة النازحين وإدارة الأزمات، لا يمكن قراءته إلا في إطار محاولة فرض وقائع سياسية خارج الأطر الدستورية. فالدولة، في زمن الأزمات، تحتاج إلى انتظام مؤسساتها لا إلى شللها، وإلى تفعيل أجهزتها لا إلى تعطيلها.
وفي هذا السياق، تبرز مسؤولية المرجعيات الدينية والوطنية، وفي مقدّمها دار الفتوى بقيادة سماحة المفتي الشيخ الدكتور عبد اللطيف دريان، في لعب دور وطني جامع يرفض الانزلاق نحو خطاب التخوين والتأجيج الطائفي. فالمطلوب اليوم ليس اصطفافاً مذهبياً، بل موقفاً وطنياً حازماً يؤكد أن رئاسة الحكومة تمثّل موقعاً دستورياً جامعاً لا يجوز استهدافه أو النيل منه تحت أي ذريعة.
كما أن على النواب والوزراء، ولا سيما في البيئة السنية، إلى جانب سائر القوى الوطنية، الاضطلاع بمسؤولياتهم السياسية والأخلاقية في الدفاع عن موقع رئاسة الحكومة وعن شخص الرئيس سلام في مواجهة حملات التشويه والتخوين، والعمل في الوقت نفسه على ملاحقة كل من تسوّل له نفسه العبث بالسلم الأهلي أو إثارة النعرات الطائفية، سواء عبر الخطاب السياسي أو عبر تحريك الشارع.
إن حماية السلم الأهلي ليست خياراً سياسياً بل واجب دستوري ووطني. فلبنان، الذي دفع أثماناً باهظة نتيجة الانقسامات الطائفية، لا يحتمل إعادة إنتاج خطاب الفتنة تحت أي عنوان. ومن هنا، فإن ضبط الخطاب السياسي والإعلامي، وتفعيل دور القضاء في ملاحقة المحرّضين، يشكّلان ركيزتين أساسيتين في صون الاستقرار الداخلي.
إن الدعوة إلى تحييد الداخل اللبناني عن صراعات المحاور، وإعادة توجيه الجهود نحو مواجهة التحديات الفعلية، وفي مقدّمها الاحتلال الإسرائيلي للأراضي اللبنانية والانتهاكات المتكرّرة للسيادة، تشكّل مدخلاً ضرورياً لإعادة بناء التوافق الوطني. كما أن معالجة تداعيات الحروب على المناطق المتضرّرة، من خلال إعادة الإعمار وتعويض المتضرّرين، تندرج ضمن أولويات أي دولة تسعى إلى ترميم عقدها الاجتماعي.
في الخلاصة، تكشف حملة “معك نواف سلام” عن لحظة مفصلية في الحياة السياسية اللبنانية، حيث يتقاطع الصراع بين منطق الدولة ومنطق الدويلة مع اختبار حقيقي لقدرة النظام السياسي على الصمود في وجه الضغوط. وبينما يبقى الاختلاف السياسي أمراً مشروعاً، فإن تحويله إلى تخوين متبادل أو إلى صراع في الشارع يشكّل تهديداً مباشراً للسلم الأهلي.
إن التحدي الحقيقي الذي يواجه اللبنانيين اليوم لا يكمن في الانتصار لفريق على حساب آخر، بل في التوافق على قاعدة وطنية مشتركة قوامها احترام الدستور، ورفض التعطيل، وحماية المؤسسات، والعمل على بناء دولة جامعة قادرة على حماية جميع أبنائها. فلبنان، في نهاية المطاف، لا يمكن أن يقوم إلا بتلاقي إرادات أبنائه حول مشروع دولة عادلة، تضع حدّاً لمنطق الفتنة، وتفتح أفقاً لمستقبل أكثر استقراراً وعدالة.
د. ابراهيم العرب
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.