حَدِيِثُ الجُمُعَةِ – الاسلام ومكافحة الفساد 3/1

20

بقلم: المهندس بسام برغوت

وردت كلمة «فساد» ومشتقاتها في القرآن الكريم في (51) آية، ووردت آية واحدة وبنص واحد في سورتين مختلفتين، هما سورة هود (الآية 85) وسورة الشعراء (الآية 187)، تربط بين حقوق الناس والفساد.

تقول الآية الكريمة: {وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ}.

إن الربط الإلهي بين عدم الافتئات على حقوق الناس وأكل اموالهم بالحرام والاعتداء على حقوقهم، مادية كانت او معنوية هو الوجه الآخر للفساد في الارض.

والفساد هو الوجه الآخر لقتل النفس التي حرّم الله كما جاء في الآية الكريمة:

{مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا}.

فالفساد موازٍ لقتل النفس التي حرّم الله، ولذلك فإنّ إرتكاب الفساد يُعتبر في الاسلام من الكبائر التي حرّمها الله تعالى وهي من الجرائم التي يعاقب الله عليها في الدنيا قبل الآخرة، ولذلك ففي الوقت الذي يدعونا فيه بقوله:

{وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ} [الاية 85 سورة هود] كان يُحذرُنا من مصير الفساد بقوله :

{فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ} [الآية 103 سورة الاعراف].

ولأنّ الفساد جريمة كبرى، فإنّ الله يُعاقب عليها في الدنيا والآخرة، ولأنّ ارتكاب الفساد يؤدي الى الخراب فإن الله جعل من الفاسدين في الارض، ومن عقابهم، درساً للمؤمنين لتجنب الوقوع في الخطيئة الكبرى ذلك:

{إِنّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِين} [الآية 81 سورة يونس]

{والله لا يحب المفسدين} [الآية 64 سورة المائدة]

ومن لا يحبهم الله فإنّ مصيرهم الخزي في الحياة الدنيا وفي الآخرة لهم عذاب شديد.

 

3/2

أن الناظر الى حالنا في لبنان اليوم يرى العَجَبَ العُجَابَ، وكيف وصل الحال الى ما وصل إليه، فالجميع وعلى كافة المستويات وصلوا الى اقصى درجات التيه والضياع بعد أن غدا الفساد معلماً بارزاً في كلَّ مفصل من مفاصل حياتنا وفي كل ركن من اركانها. فالفساد جريمة واحدة، ليس ضد الانسان والوطن فحسب، بل ضد الله اولاً وفي الدرجة الاولى.

فمن نعم الله علينا أنه أودع فينا جملة من الشهوات والغرائز والمشاعر والاحاسيس لنعيش مستمتعين بحياتنا. موصينا بعدم الإضرار بغيرنا من البشر، فهو سبحانه وتعالى أمرنا ان لا نطلق عنان شهواتنا وغرائزنا، ولكنه دعانا الى ضبطها وفق منظومة من الشرائع والاحكام للابتعاد عن الطمع والجشع واحترام حقوق الغير.

صحيح أن فساد الحاكم، والقوي، والغني، أشد بطشا وتأثيرا من فساد الضعفاء لكن الفساد هو الفساد، وهو حسب معاجم اللغة: خروج الشيء عن الاعتدال في النفس والبدن. فالمفسدة عكس المصلحة، و»تفاسد القوم» أي: تقاطعوا الأرحام، كما يشمل معنى الفساد: أخذ المال ظلماً، واتسع معناها ليشمل الفساد العقائدي والسلوكي والامني والمالي، بالإضافة إلى بطش الحكام وسوء استخدام السلطة.

لقد ارتبط مصطلح الفساد في معظم الآيات بكلمة «الأرض»، فقد ورد الفساد بمعنى الكفر واختلال العلاقة مع الله سبحانه وتعالى في (10) آيات فقط، بينما الفساد في الأرض ورد في (40) آية من الخمسين، كلها حذرت من ترويع الناس وتهديد الحياة الآمنة وقطع الطريق، كما حذرت من كل أنواع الإيذاء والاعتداء وسفك الدماء وإزهاق الأرواح ونهب الأموال.

فالفساد يؤدي الى الاعتداء على الحقوق وضياعها، وبالتالي الى انهيار الثقة وتحطيم المجتمع. ولقد جاء في كتاب الله جل شأنه {ولا تفسدوا في الارض} [سورة الاعراف] واعداً من ابتعدو عنه بقوله: {تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ}  [سورة القصص]، ومنها قوله سبحانه وتعالى {واصلح ولا تتبع سبيل المفسدين} [سورة الاعراف]، الى قوله في سورة البقرة {والله لا يحب الفساد]، كما تضمن القرآن آيات اخرى تظهر كره الله عز وجل للمفسدين وأعمالهم فجاء في كتابه الكريم: {ان الله لا يحب المفسدين}    و{ان الله لا يحب عمل المفسدين}.

 

3/3

ان باحثين في قضايا «الفساد وسوء الادارة « انتهوا الى توصيات اورد ادناه بعضاً منها:

– ان الفساد المالي والاداري موجود منذ القدم ولا يكاد يخلو مجتمع من المجتمعات قديمها وحديثها منه، وليس في هذا الزمان فقط .

– إن مسمى الفساد في كثير من الانظمة تندرج تحته جرائم عدة كما ان كافة الانظمة وضعت العقوبة المناسبة لجرائم الفساد وسوء الادارة.

– إن للرقابة الإدارية والمالية على الموظفين  دوراً كبيراً في الحد من انتشار الفساد المالي والإداري.

– إن ضعف الوازع الديني، وعدم الالتزام بتعاليم الدين، من ابرز اسباب انتشار الفساد المالي والإداري.

ختاماً،

ان الشريعة الاسلامية حرّمت تقديم الهدايا للموظفين والعاملين في الدولة لأن مثل هذا العمل يُعد خيانة للامة، واشترطت بمن يتولى الوظيفة العامة أن يكون اميناً صالحاً لها، كما أن مكافحة الفساد تكون بالرقابة وتكون مقاومته بالعقاب ولنا في رسول الله عليه افضل الصلاة وأتم التسليم اسوة حسنة.

يوماً بعد يوم نتأكد ان ديننا الحنيف، والذي حذر من آفة الفساد داعياً الى محاربته ومكافحته بشتى الطرق والوسائل محرماً كل صوره بأدلة وصلت إلينا في كتاب الله عز وجل وفي سنة رسوله عليه افضل الصلاة وأتم التسليم، لم يترك شيئاً إلا وأورده لنا مع كافة احكامه المناسبة فلنعد الى تعاليم ديننا، متقين الله، ومتخذين من إرشاداته ومن سنة رسوله النبراس الذي يضيء حياتنا.

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.