خرائط الإخلاء… هل يُرسم للبنان مسرح حرب أوسع من حدوده الجنوبية؟
مصباح العلي
لم تكن أي مواجهة سابقة بين حزب الله وإسرائيل عابرة أو بسيطة، لكن المؤشرات الحالية توحي بأن المشهد يتخذ هذه المرة منحى أكثر مرارة وتصاعدًا، في ظل هشاشة سياسية واقتصادية غير مسبوقة يعيشها لبنان. الفارق الجوهري لا يكمن فقط في طبيعة الاشتباك العسكري، بل في السياق الداخلي الذي يحتضنه.
منذ اللحظة الأولى، بدا أن قرار الانخراط في المواجهة جاء ضمن مقاربة عقائدية تعبّوية، أقرب إلى خطاب “المظلومية التاريخية” منه إلى حسابات الدولة المتعثرة. غير أن لبنان اليوم ليس لبنان ما قبل 2006؛ الدولة أضعف، الاقتصاد منهار، والمجتمع منقسم على ذاته بحدة.
خريطة الإخلاءات: رسالة تتجاوز الجنوب
التحذيرات الإسرائيلية الأخيرة بإخلاء بلدات لا تقع كلها في الشريط الحدودي التقليدي، بل تمتد إلى عمق جغرافي لافت: في قضاء صيدا (عنقون، قناريت، المروانية)، في إقليم التفاح (عين قانا، عرب صاليم)، وعلى تخوم جزين والبقاع الغربي (الدلافة، ميدون). هذه الجغرافيا ليست تفصيلًا عابرًا.
حين يطلب الجيش الإسرائيلي من سكان هذه المناطق المغادرة، فهو لا يكتفي بإجراء عسكري احترازي، بل يرسم خارطة ضغط ديموغرافي وأمني. الإخلاء هنا أداة مزدوجة: تمهيد عملياتي من جهة، ورسالة نفسية وسياسية من جهة أخرى. الضغط لا يطال الحزب وحده، بل البيئة المحيطة به والدولة التي تعجز عن حماية مواطنيها أو ضمان استقرارهم.
الداخل على حافة التوتر
الأخطر من المواجهة الخارجية هو احتمال ارتداداتها الداخلية. المؤشرات الأولية تتحدث عن توتر متصاعد بين مؤسسات الدولة والحزب، وسط انقسام شعبي واسع حول جدوى الانخراط في حرب مفتوحة. حتى الآن، حرص الجيش اللبناني تاريخيًا على البقاء خارج أي صدام مباشر، مدركًا أن كلفة الانفجار الداخلي وجودية على الكيان اللبناني برمته.
في هذا السياق، يبرز موقف رئيس مجلس النواب نبيه بري بوصفه عنصر توازن تقليدي في المعادلة الشيعية – الوطنية. أي تباين علني أو مسافة سياسية بين حركة أمل وحزب الله سيكون له وقع بالغ الحساسية، وإن كانت طبيعة العلاقة الاستراتيجية بين الطرفين تجعل من “فك الارتباط” الكامل سيناريوًّا معقدًا وغير سهل التحقق.
ما وراء التصعيد
لا يمكن قراءة ما يجري بمعزل عن المشهد الإقليمي الأوسع. لبنان ليس ساحة قرار مستقل بالكامل في مثل هذه اللحظات، بل ساحة تقاطع رسائل بين قوى إقليمية ودولية. كل توسع في بنك الأهداف أو رقعة الإخلاءات يعكس حسابات تتجاوز الحدود اللبنانية الضيقة.
لكن السؤال الجوهري يبقى: هل نحن أمام حرب مفتوحة فعلًا، أم أمام تصعيد مضبوط بإيقاع مدروس؟
التاريخ القريب يُظهر أن المواجهات غالبًا ما تُضبط عند حافة الانفجار الشامل. غير أن هشاشة الداخل اللبناني اليوم تضيف عنصرًا جديدًا إلى المعادلة: قدرة التحمل الشعبي والمؤسساتي باتت أضعف من أي وقت مضى.
بين الردع والانزلاق
إسرائيل تسعى إلى إعادة رسم معادلة ردع بشروط أكثر صرامة، فيما يحاول حزب الله تثبيت قواعد اشتباك تمنع كسر صورته الإقليمية. بين هذين الهدفين، يقف لبنان كدولة ومجتمع على خط الزلزال.
خرائط الإخلاء ليست مجرد تعليمات عسكرية؛ إنها إشارات إلى أن المواجهة، إن اتسعت، قد تعيد تشكيل الجغرافيا السياسية والاجتماعية للجنوب ومحيطه. والسؤال الذي يفرض نفسه اليوم: هل يمتلك لبنان ترف خوض حرب مصيرية جديدة، أم أن ثمنها هذه المرة قد يتجاوز قدرة الدولة على البقاء؟
الأيام المقبلة وحدها كفيلة بالإجابة، لكن المؤكد أن ما يجري ليس تفصيلًا عابرًا في تاريخ الصراع، بل محطة قد تعيد تعريف موقع لبنان في معادلات المنطقة.
مصباح العلي
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.