خطاب يختزل مأساتي سوريا… ولبنان

68

بقلم خيرالله خيرالله

يختزل الخطاب الذي القاه فيصل المقداد وزير خارجية النظام امام الجمعية العموميّة للأمم المتحدة مأساة سوريا منذ الإنقلاب العسكري البعثي الذي وقع في الثامن من آذار 1963 ، وهو انقلاب قضى على الفرصة الوحيدة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من سوريا. لا توجد كلمة واحدة صحيحة في خطاب يشكو من الاحتلال الإسرائيلي للجولان في العام 1967  ويتجاهل أنّ النظام لم يبذل في يوم من الأيّام أي خطوة جدّية لإستعادة الهضبة التي احتلت في ظروف غامضة حين كان حافظ الأسد وزيرا للدفاع.

إذا استثنينا حرب 1973، وهي حرب شنت أصلا بالتفاهم مع أنور السادات بغية تحقيق أهداف سياسية، من بينها التوصل إلى تسوية مع إسرائيل، يتبيّن أن الجولان لم يكن في يوم من الأيّام، بالنسبة إلى النظام السوري، سوى مادة تجارة وابتزاز لا اكثر.

كلّ ما تضمنه خطاب فيصل المقداد خطير نظرا إلى انّه يتجاهل أن سوريا التي عرفناها انتهت. يوحي الخطاب بأنّ المطلوب انقاذ النظام وليس انقاذ سوريا أو ما بقي منها. من أطرف ما جاء على لسان المقداد، وهو سنّي من محافظة درعا لا يمتلك أي صلاحيات من أي نوع، شكواه من التغيير الديموغرافي الذي تقوم به إسرائيل في الجولان. يبدو أنّه لم يأخذ علما بالتغييرات ذات الطابع الديموغرافي التي قامت بها ايران في سوريا بهدف تبديد معالم كلّ مدينة من مدنها… بدءا بدمشق وكلّ المناطق المحيطة بها وصولا إلى حلب ودير الزور، مرورا بالجنوب السوري، بما في ذلك درعا نفسها، وحمص وحماة في طبيعة الحال!

تصلح إسرائيل، التي لا يمكن انكار عدوانيتها في ما يخص الإصرار على احتلال جزء من الضفة الغربية والقدس الشرقية، شماعة تعلّق عليها كلّ الأزمات التي تعاني منها سوريا. في مقدّم هذه الأزمات رفض النظام الأقلّوي القائم الإعتراف بأنّه مرفوض من شعبه. لذلك يهرب المقداد في خطابه إلى اتهام إسرائيل بـ»دعم داعش». هل نسي أن تنظيم «داعش» ولد من رحم النظام السوري. فاته ذلك بالطبع. في طليعة ما فاته الدور الذي لعبه النظام السورى في إيجاد هذا التنظيم الإرهابي باطلاقه سجناء يعرف تماما أنّهم متطرفون كانوا في زنازينه. أكثر من ذلك، يعدد ارتكابات إسرائيل في حقّ الشعب الفلسطيني. نسي أن النظام السوري قتل من الفلسطينيين اضعاف مضاعفة ما قتلته إسرائيل. ليس مخيّم اليرموك، قرب دمشق، سوى آخر دليل على ذلك.

ليست مأساة سوريا في نظام يعتقد أنّ خلاصه في دعم الحرب الروسية على أوكرانيا والموقف الإيراني من المفاوضات مع اميركا والصين في موضوع تايوان. مأساة سوريا في وجود نظام خرّب المنطقة كلّها، ولعب دورا أساسيا في الإنهيار اللبناني. المأساة السورية مأساة لبنانيّة أيضا. في أساس هذه المأساة إيجاد موطئ قدم لإيران في لبنان ابتداء من العام 1982 من دون ادراك لمعنى الحلف الذي قام بين دمشق وطهران وابعاده، وهو حلف جعل من كلّ كلام عن السيادة السوريّة من النوع الذي لا قيمة له.

ليس سرّا أن الحلف الذي أقامه حافظ الأسد مع «الجمهوريّة الإسلاميّة» كان طابعه مذهبيا أكثر من أي شيء. لكنّ الأسد الأب الذي دعم ايران في حربها مع العراق بين 1980 و  1988 كان يعرف أنّ ثمة خطوطا لا يستطيع تجاوزها. لذلك، طلب من معمّر القذافي تزويد «الجمهوريّة الإسلاميّة» في ايران صواريخ استخدمت في قصف بغداد ومدن عراقيّة أخرى بدل إرسال صواريخ من مخزون الجيش السوري!

ليس سرّا أيضا أن هذا الحلف أخذ بعدا جديدا مع خلافة بشّار لوالده في العام 2000. توج هذا الحلف بتغطية النظام السوري عملية اغتيال رفيق الحريري المعروف من يقف خلفها. سمّت المحكمة الدولية المنفذين من دون مواربة.

بين 28  أيلول من العام 1961، عندما تخلّصت سوريا من كابوس النظام الأمني الدموي الذي قام في ظلّ الوحدة مع مصر، والثامن من آذار 1963 عندما انقلب الضباط البعثيون على محاولة انقاذ سوريا وعودتها إلى بلد طبيعي، قضي على الفرصة الوحيدة أمام هذا البلد.

يشبه القضاء على فرصة الأمل السورية بالقضاء على فرصة الأمل اللبنانية بين 1992 و 2005. هذا ما لا يدركه النظام السوري المصرّ على العيش في عالم خاص به تختصره عبارة «الأسد أو نحرق البلد». إنّها العبارة التي رفعها النظام مباشرة بعد اندلاع الثورة السوريّة، وهي عبارة تعني بين ما تعنيه أن النظام أهم من سوريا والسوريين…

يؤكّد خطاب فيصل المقداد أنّ سوريا صارت في الحضن الإيراني. ليس مهما أن يعيش البلد في ظلّ خمسة احتلالات (الإيراني والروسي والتركي والأميركي والإسرائيلي)، بمقدار ما أن المهمّ بقاء بشّار الأسد في دمشق. من أجل بقائه في دمشق، ولو صوريا، تستطيع ايران أن تفعل ما تشاء، خصوصا في ضوء السقوط المريع للدور الروسي في ضوء الحرب الأوكرانيّة.

هل من خلاص لسوريا يوما؟ الجواب بكل بساطة أنّ الكثير سيعتمد على ما يحصل في ايران حاليا. هل ستكون الثورة الشعبية الواسعة التي تقودها المرأة الإيرانيّة خطوة على طريق الخلاص من كابوس اسمه النظام الإيراني الذي لا همّ لديه سوى تفتيت نسيج المجتمعين السوري واللبناني، مثلما فتت المجتمع في العراق؟

يبدو الأمل، سوريا ولبنانيا، في حصول تغيير في ايران وليس في أي مكان آخر. إنّه بصيص أمل ينتظره السوريون واللبنانيون في عالم منصب فيه الاهتمام على أوكرانيا… عالم لا يريد سماع شيء لا عن مأساة سوريا ولا عن مأساة لبنان كما عكسهما خطاب فيصل المقداد.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.