خطة الرئيس الصينى لإعادة إحياء أكبر جيش في العالم

23

لم تكن إستراتيجية الصين العسكرية عبر معظم تاريخها أكثر من تنويعات على خطة ثابتة، تشكيل جيش بري قوي وهائل العدد يُمكِّنها من التصدي لغزو قوة مُتفوِّقة عسكريا مثل المغول أو الهان أو حتى الاتحاد السوفيتي. ومع هيمنة الاقتصاد الزراعي على الصين زادت أهمية مسألة الحفاظ على الأراضي، وهو ما عنى (4) أن الإمبراطورية الكبرى سوف تواصل إدارة ظهرها إلى البحر.

ولكن هذه النظرة تغيَّرت (5) خلال العشرين عاما الأخيرة، مع النشاط الاقتصادي الصيني وتوسُّع المصالح الاقتصادية لبكين في آسيا وأفريقيا، وارتباط النمو الاقتصادي للبلاد بأمن الطاقة، وضمان حرية الملاحة في الممرات البحرية وعلى الأخص بحر الصين الجنوبي والشرقي، حيث عمدت الصين خلال العقدين الماضيين إلى تأسيس ترسانة بحرية قوية، تستهدف فيها أسطولا يزيد عدده على 340 سفينة بحلول عام 2020 يضم حاملتَيْ طائرات (6)، وتعزيز قدرات الدفاع الصاروخي الخاصة بها، إضافة إلى تطوير قواتها الجوية.

وصل الرئيس «تشي» إلى السلطة في خضم هذه الفورة من التسليح العسكري الصيني. وسرعان ما أدرك أنه رغم ضخامة الجيش الصيني، والطفرة التي يُحقِّقها على مستوى التسليح، فإنه تحوَّل إلى منظمة راكدة يرتع فيها الفساد، والأهم أن هيكله الإداري والقيادي متعدد الطبقات، والمفتقر إلى التلاحم اللازم بين مختلف الأسلحة والوحدات، صار مع الوقت أبعد ما يكون عن مواكبة التحديات، وأكثر تخلُّفا عن معايير خوض الحروب الحديثة.

كان الجيش الصيني لايزال مُشكَّلا على نمط الجيوش السوفيتية السائد خلال فترة الحرب العالمية الثانية، وبدا أنه يواجه الأزمة نفسها التي واجهها الجيش الأميركي خلال حقبة الحرب الباردة، مع ظهور الجيل الجديد من الحرب الذي يعتمد اعتمادا كبيرا على القدرة على تنسيق العمليات المشتركة، وهي أزمة يساهم تسليط الضوء عليها في شرح موقف «تشي».

كانت مشكلات الجيش الصيني (7) كما لحظها «تشي» تدور حول عدة أمور: أولها نظام القيادة غير الفعال «متعدد الطبقات» الناجم عن ضعف سيطرة اللجنة العسكرية المركزية، وهي القيادة العسكرية المزدوجة في كلٍّ من الحكومة والحزب الشيوعي والمسؤولة عن الإشراف على الجيش والمُشكَّلة من 11 شخصا ويرأسها «تشي» نفسه؛ ضعف سيطرتها على أقسام الجيش الأربعة «الموظفين والشؤون السياسية واللوجستيات والأسلحة»، حيث يقتصر دورها على وضع الإستراتيجية العامة، في حين تعاني العمليات التشغيلية من تداعيات الانقسام طويل الأمد (8) بين القوات المقاتلة «المُشتبِكة مع العدو»، والعمليات الأخرى «اللوجستيات والنقل وما إلى ذلك».

أما ثاني هذه المشكلات، وربما أكثرها وضوحا، فتَمثَّلت في السيطرة (9) المطلقة للقوات البرية على أقسام الجيش الأربعة، حيث لم تكن تُستدعَى الوحدات الأخرى، أي القوات البحرية والجوية، إلا في أوقات الحرب التي تخضع فيها كاملة لإشراف القوات البرية، وهي قوات لا تمتلك مقرا خاصا ولكنها تستخدم مقرات الأقسام الأربعة بوصفها مقرات خاصة بحكم الواقع. ثم هناك ضعف قدرات الجيش الصيني على القيام بالعمليات المشتركة التي تتطلَّب مشاركة الوحدات البحرية أو الجوية مع القوات البرية، بحكم الثقافة العسكرية طويلة الأمد التي تُهمِّش من دور هذه الوحدات، وأخيرا هذا التضخُّم الهيكلي في صفوف الجيش، ووصوله إلى عدد 2.3 مليون شخص، يتركَّز معظمهم في الوحدات البرية، في حين تعاني أسلحة الجو والبحر والصواريخ من نقص العمالة وبالتالي القدرات.

بناء على هذا التشخيص، شرع «تشي» عام 2015 في تنفيذ خطته للإصلاح الهيكلي، خطة أعلن عنها خلال الاجتماع الثامن عشر للجنة المركزية للحزب الشيوعي في عام 2013، وتضمَّنت العديد من الإجراءات، بدأت بتحديد المسؤولية عن الجيش حصرا بوصفه أحد اختصاصات اللجنة العسكرية المركزية، التي كُلِّفت بإدارة الخدمات العسكرية ومسارح العمليات مباشرة، بدلا من ممارسة دورها القيادي من خلال الإدارات الأربعة السابقة، التي دُمِجت مع 11 وكالة أخرى تحت القيادة المباشرة للجنة المركزية، وباتت هذه الهيئات الـ15 في الوقت الراهن تقف جميعا على المستوى نفسه من النفوذ، على الأقل من الناحية النظرية.

من بين هذه الوكالات الـ15، تتولَّى ثلاث وكالات، «لجنة التفتيش التأديبية» و»لجنة السياسة» والقانون و»مكتب إدارة مراجعة الحسابات»، مسؤولية الإشراف العسكري وأنشطة مكافحة الفساد، وجميعها لجان مشتركة بين الحزب والجيش لضمان سيطرة الحزب. شملت التغييرات أيضا تقليص الهيمنة الكاملة للقوات البرية، عبر إنشاء مقر خاص لها أسوة بالقوات البحرية والجوية، لتتحوَّل المقرات السابقة للجيش إلى مراكز عمليات مشتركة تخضع لإشراف اللجنة العسكرية المركزية وقيادة الجيش. ورغم أن كبار ضباط القوات البرية لا يزالون يسيطرون على مواقع القيادة في هذه الوكالات، فمن المُرجَّح أن تُختَار قيادات من الوحدات الأخرى في أعقاب انعقاد المؤتمر التاسع عشر للحزب المقرر عقده في أيلول من العام الجاري.

لم تقتصر الأمور على ذلك فحسب، إذ قام «تشي» أيضا بترقية فِرَق المدفعية الثانية «الصواريخ»، التي كانت خاضعة لقيادة القوات البرية، إلى خدمة خاصة مستقلة توازي أفرع الجيش الثلاثة، وأُسندت إليها إدارة إمبراطورية الدفاع الصاروخي المتوسِّعة في البلاد، بما يشمل الصواريخ التقليدية والنووية. كما استُحدِثت قوة الدعم الإستراتيجي التي تم ترقيتها مباشرة إلى مستوى خدمة أو سلاح كامل، على قدم المساواة مع الأفرع الأربعة، وتتولَّى الوحدة الجديدة مهام الحرب الإلكترونية وحروب الفضاء. وزِيدَ تمويل هذه العمليات بنسبة 30%، وأسوة بالولايات المتحدة قُلِّصت أدوار أسلحة الخدمات لتتولَّى فقط مهام التدريب والتطوير.

على مستوى التوزيع الميداني للجيش، تم التخلِّي عن التقسيم القديم للبلاد إلى سبع مناطق، لصالح تقسيم جديد (10) أكثر مركزية يضم خمس مناطق فقط: «شمالية وجنوبية ومركزية وشرقية وغربية»، مع خطة لتخفيض عدد الجيش ليصل إلى مليونين فقط بحلول عام 2020. وقد خضع الجيش الصيني لموجات (11) تقليص متتالية منذ الثمانينيات، خُفِّضت خلالها أعداد الجيش ثلاث مرات: مليون شخص في عام 1985، و500 ألف في عام 1997، و200 ألف في عام 2003. في حين تستهدف الخطة الجديدة تسريح 300 ألف جندي وضابط، مع اتجاه لإلغاء ألوية بأكملها من القوات البرية وتقليص أعداد الكثير من الألوية الأخرى، وإعادة هيكلة 84 وحدة من أجل تقليص تكلفتها وتحسين قدرتها على القيام بالعمليات المشتركة. كما يُخطِّط (12) «تشي» أيضا لتغيير اتجاهات التجنيد العسكري، بما يشمل قبول عدد أقل من الطلاب بنسبة 24% في برامج الدراسة المتعلقة بالقوات البرية في المدارس العسكرية، وهو ما حدث بالفعل في عام 2016 مقارنة بعام 2015. في حين سيزيد الطلاب الدارسون للطيران والصواريخ والبرامج البحرية بنسبة 14%، بينما سينمو عدد طلاب البرامج العسكرية الفضائية والرادارات والطائرات بدون طيار بنسبة 16%.

أعاد «تشي» تصميم الجيش الصيني بما يتفق أيضا مع خطته الضخمة المعروفة باسم «الحزام والطريق»، التي تتطلَّب ترتيبات أمنية كافية لتأمين التجارة الصينية خلال مواقع الاضطرابات المعروفة مثل أفغانستان وغرب باكستان. ويأتي تركيز «تشي» على الحصول على حاملات طائرات بهدف تأمين الطرق البحرية الرئيسية التي تقع تحت الحزام والطريق، ضمن إطار هذه الخطة أيضا، ولكنّ إنفاذَ تحوُّلٍ بهذا الحجم لا يمكن اعتباره أمرا هينا على الإطلاق. وهو توجُّه يُهدِّد (14) بإغضاب جيران الصين ورفاقها الدوليين، ويخاطر بتحوُّل صورتها بوصفها «شريكا سلميا» للدول المتورطة في النزاعات.

منذ بداية خطة التحديث، أطاح (15) «تشي» بـ52 قيادة عسكرية على الأقل من كبار قادة الجيش الصيني بتهم تتعلَّق بالفساد، ضمن عملية إعادة تشكيل واسعة النطاق للمناطق والإدارات والخدمات. ولكن الخطوة الأكبر التي قام بها «تشي» حقا هي إقدامه على إزالة كلٍّ من «جو بوكسيونغ» و«شو كايهو»، النائبين السابقين لرئيس اللجنة العسكرية المركزية.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.