خطة نتانياهو لغزّة: يغيّر المناهج… ويكتب “خطبة الجمعة”

54

بقلم أمين قمورية «أساس ميديا»

بعد طول انتظار أتحف رئيس حكومة إسرائيل بنيامين نتنياهو العالم. خطة نتانياهو لغزّة لليوم التالي لما بعد الحرب تمزج ما بين الخيال غير العلميّ، والتعالي والغرور، والنزعة التسلّطية والاستعمارية. وهي مشبعة بالحقد والعنصرية، ولم تخلُ ممّا يثير السخرية والضحك.

تكشف خطة نتانياهو لغزّة عن وجه جديد لم نعهده من قبل فيه.

نعرف أنّه مناور لا يؤمَن جانبه. فهو لصّ الأرض والأرواح وناشر الأحزان والدموع. لا يخلص لصديق ولا لرفيق. يتلاعب بالحلفاء قبل الأعداء. ولا يخلص إلّا لمصلحته الشخصية. ومعجب بأناه وبذاته. ويتقن كلّ فنون الكذب والاحتيال من أجل البقاء في السلطة. فجأة يطلّ بوجه آخر، هو وجه “المصلح” و”المرشد”.

بكلّ ثقة بالنفس تدعو خطة نتانياهو لغزّة إلى برنامج تربوي وتثقيفي شامل لمحاربة التطرّف في كلّ القطاعات الدينية والتعليمية والروحية الفلسطينية. ويطلب من أجل إنجاز “رسالته التنويرية والإرشاديّة” ، المشاركة والدعم من دول عربية. ويشترط أن يكون “لديها خبرة في مكافحة التشدّد في أراضيها”. (هكذا جاء حرفيّاً في الخطّة “الاستثنائية”).

لم يكتفِ بالجانبين السياسي والأمنيّ اللذين لا يجدان حلّاً للقطاع المنكوب إلّا بإعادة احتلاله وفرض السيادة الإسرائيلية الكاملة عليه. بل تناول الجانب المدني للفلسطينيين مصرّاً على إعادة تربيتهم وتنشئتهم بالمناهج التربوية “الصالحة”. حتّى يتخلّوا عن معتقداتهم والمبادىء التي نشأوا عليها والمسلّمات.

مصطلحات “قديمة ومتهالكة وخشبيّة”، مثل الحرّية والكفاح والتحرّر من الاحتلال، يجب أن تُنبذ. على أن تحلّ محلّها مصطلحات “جديدة وعصرية”. على غرار:

– “الاعتراف بحقّ إسرائيل”.

– والتسليم بوجودها على “كامل” أراضي فلسطين التاريخية.

– و”حقّها في مواصلة الاستيطان والتهويد”.

– والرضوخ لها والكفّ عن كرهها ونبذ الإرهاب والإرهابيين.

نتانياهو يكتب “خطبة الجمعة” للأئمة

أمّا المفاجأة الكبرى التي لم يكتبها خطة نتانياهو لغزّة، فهي تلك التي ينتظرها الأميركيون منذ أربعة شهور. وقد كشف عنها بصراحة وزير خارجيّته يسرائيل كاتس. الذي قال إنّه بموجب الخطّة عند تطبيقها: “ستقوم تل أبيب بكتابة خطبة الجمعة لأئمّة المساجد في غزة”.

نتنياهو لم ينصّب نفسه مصلحاً اجتماعياً وتربوياً فقط، بل نصّب نفسه أيضاً إماماً ومرشداً روحيّاً. يوجّه الأئمّة ويرشدهم ويدلّهم على الطريق الصواب والصراط المستقيم!

هي نفسها الحكومة الإسرائيلية التي عجزت عن إدارة منظومتَيها التعليمية والدينية. ولم تتمكّن من إدراج الموادّ التعليمية الأساسية في مدارس المتديّنين الإسرائيليين. وكادت بذلك أن تجرّ اليهود أنفسهم إلى حرب أهليّة بين علمانيّين وحريديم. ها هي تعطي لنفسها الحقّ بإدارة الشؤون الروحية والتربوية للفلسطينيين والتحكّم بمقرّراتهم الدراسية!

فهل يمكن وصف خطة نتانياهو لغزّة ذلك بأقلّ من جنون العظمة؟ وقلّة الإدراك والتعالي غير المسبوق؟

إسرائيل تدير غزّة مباشرة

لم يكتفِ نتانياهو بتوجيه الغزّيّين خلقياً وأخلاقياً. بل حدّد لهم أنّ إدارة شؤونهم المدنية والنظام العامّ في القطاع ستكون ملقاة على عاتق “عناصر محلّية ذات خبرة إدارية”. عناصر منسلخين عن أيّ مؤسّسة فلسطينية. ويدينون بالولاء للمحتلّ الذي نصّبهم وكلاء عنه. وتجنَّب أيّ إشارة إلى السلطة الفلسطينية التي من الواضح أنّه لا يريد مدّ سلطتها من الضفة إلى غزة. لتكريس الانقسام الفلسطيني الذي طالما عمل على توسيع شقّته، والتخلّص نهائياً من حلّ الدولتين. وبطبيعة الحال أعطى لحكومته وجيشه حرّية العمل في كامل القطاع مع إقامة منطقة أمنيّة عازلة في داخله لحماية مستوطنات الغلاف.

“أعفى” الفلسطينيين من “واجباتهم” باختيار ممثّليهم وسلطاتهم. وتعهّد أيضاً بـ”إعفاء” وكالة “الأونروا” من مهمّتها “الشاقّة” الخاصّة بغوثهم وتشغيلهم. إذ خصّص بنداً لإغلاقها والتخلّص منها نهائياً. وهكذا “يريح” المجتمع الدولي من حمل أعبائهم وخدمتهم وقضيّتهم وحقّهم بالعودة إلى ديارهم.

لم ترسم خطة نتانياهو لغزّة مستقبلاً للفلسطينيين وحدهم. بل خطّط أدواراً لأميركا وللدول العربية أيضاً. فالمهمّة المتوجّبة على مصر مثلاً تقضي بإقامتها “مانعاً جنوبيّاً” على الحدود مع القطاع “المنزوع السلاح” بمشاركة الولايات المتحدة لمنع التهريب. والمساعدة في الإشراف على معبر رفح. وعلى دول معيّنة تختارها إسرائيل مهمّة إعادة إعمار غزة طبعاً. وذلك “بعد استكمال نزع سلاحها وتنفيذ خطّة التربية ضدّ التطرّف”.

خطّة “اليوم السابق”

هذه ليست خطّة لليوم التالي للحرب على غزة. إنّها “خطة لليوم السابق” كما كتبت المحلّلة السياسية في صحيفة “هآرتس”، نوعا لنداو. التي أضافت أنّ خطة نتنياهو لليوم التالي هي أنّه لا توجد لديه خطة لليوم التالي.

ورقة كهذه رفضها الفلسطينيون وسخر منها المعلّقون الإسرائيليون قبل أن يجفّ حبرها. وهي ليست أساساً للتفاوض معهم. بل خطاب يتوجّه به نتنياهو نحو وزيرَيه القوميَّين المتشدّدَين إيتامار بن غفير وبتسلئيل سموتريتش لإرضائهما. لأنّهما الضمانة الوحيدة لبقائه في السلطة.

هو أصلاً ينكر رسمياً الهويّة الفلسطينية وهويّة الوطن الفلسطيني، قبل “طوفان الأقصى”. حين حمل خريطة فلسطين من البحر إلى النهر أمام الجمعية العمومية للأمم المتحدة في أيلول. لا هدف لديه قبل 7 أكتوبر (تشرين الأوّل) وبعده سوى هدف وحيد: وهو قيام دولة إسرائيل الكبرى على كامل أرض فلسطين التاريخية.

فهل يمكن لأحد أن يصدّق رجلاً مثله تفوّق على مسيلمة كذباً؟ حتى لو تنكّر بزيّ إمام أو مصلح؟

أمين قمورية

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.