«داعش» من جديد : إدارة فوضى أم خلط أوراق؟

17

مصباح العلي
تثير التقارير المتداولة حول قيام القوات الأميركية بنقل عناصر من تنظيم «داعش» فرّوا من مخيم الهول في شمال شرق سوريا إلى الأراضي العراقية، أسئلة مشروعة تتجاوز البعد الأمني الضيق، لتلامس جوهر الصراع الإقليمي وطبيعة إدارة الولايات المتحدة لملفات ما بعد «هزيمة داعش» شكليًا.
فمخيم الهول، الذي يضم عشرات آلاف النساء والأطفال وعناصر التنظيم، لم يعد مجرد مخيم للنازحين أو الموقوفين، بل تحوّل خلال السنوات الماضية إلى بؤرة توتر أمني وفكري، تشهد عمليات قتل وتطرف منظم، ما جعله عبئًا ثقيلًا على القوى المسيطرة عليه، وفي مقدّمها القوات الأميركية عبر «قسد».
لكن السؤال الجوهري لا يكمن في لماذا يُنقل هؤلاء؟
بل في إلى أين، وكيف، ولمصلحة من؟
في الساحة السورية، لا تبدو الولايات المتحدة في وارد حسم المشهد شرق الفرات، ولا تسليم المنطقة إلى الدولة السورية، ولا الانسحاب الكامل. وفي هذا السياق، يشكّل مخيم الهول عقدة أمنية وسياسية، وجودها الدائم يعني خطرًا مستمرًا، وتفجّرها يعني فوضى غير محسوبة.
نقل عناصر «داعش» من المخيم لا يعني تفكيك التنظيم، بل تفريغ الساحة السورية من عبء مباشر، وإعادة توزيع الخطر بدل معالجته من جذوره. هو نقل للمشكلة، لا حلّ لها.
في المقابل، يبقى العراق الساحة الأكثر هشاشة. فرغم الإنجازات الأمنية، لا تزال البنية السياسية والأمنية عرضة للاختراق، وحدوده مع سوريا طويلة ورخوة، وتجربة السجون العراقية السابقة — من «بوكا» إلى غيرها — ما زالت ماثلة في الذاكرة، حين تحوّلت أماكن الاحتجاز إلى مصانع تطرف.
نقل عناصر متشددة إلى العراق، في غياب برامج قضائية وأمنية وتأهيلية صارمة، يعني إدخال عنصر عدم استقرار دائم، لا بالضرورة لإعادة سيناريو 2014، بل لإبقاء العراق في حالة استنزاف أمني مزمن، يمنعه من الوصول إلى استقرار سيادي كامل.
لا يمكن فصل هذا التطور عن الصراع الأميركي–الإيراني. فالعراق يشكّل عمقًا استراتيجيًا لإيران، واستقراره شرط أساسي لثبات نفوذها الإقليمي. أي اضطراب أمني فيه، ولو محدودًا، ينعكس مباشرة على حركة طهران ونفوذها، ويُستخدم لتبرير استمرار الوجود الأميركي.
هنا، لا تُستَخدم «داعش» كقوة هجومية مباشرة ضد إيران، بل كورقة فوضى غير مباشرة، تُبقي الساحة الخلفية غير مستقرة، وتمنع أي طرف من الشعور بالاطمئنان.
إدارة الفوضى بدل حلّ الأزمات
القراءة الأبعد لما يجري تشير إلى أن الولايات المتحدة لا تسعى إلى «إعادة تصنيع داعش» كتنظيم، لكنها أيضًا لا تبذل جهدًا حقيقيًا لإغلاق هذا الملف نهائيًا. ما يحصل هو إدارة للأزمة لا إنهاؤها، وإبقاء التنظيم في حالة كمون قابلة للتفعيل عند الحاجة.
ففي لحظات إعادة التفاوض الإقليمي وترسيم مناطق النفوذ، تُترك الملفات الخطرة مفتوحة، لا لتنفجر فورًا، بل لتبقى أدوات ضغط في اللحظة المناسبة.
ما يجري ليس إجراءً تقنيًا ولا أمنيًا صرفًا، كما أنه ليس مؤامرة مكتملة الأركان. إنه سياسة محسوبة لإعادة توزيع المخاطر، ورمي أثمانها على دول هشّة، وفي مقدّمها العراق، ضمن صراع نفوذ إقليمي لم يصل بعد إلى تسوية نهائية.
وفي منطقة لم تُعالج فيها جذور التطرف سياسيًا واجتماعيًا، يبقى خطر الإرهاب قابلًا لإعادة الظهور، لا بقرار مباشر، بل نتيجة فوضى مُدارة بعناية.
مصباح العلي

 

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.