دراسة قانونية لقرارات المحقق العدلي في ملف انفجار مرفأ بيروت ١/ ٤

171

إعداد: المحامي صائب مطرجي

تسلّم المحقق العدلي طارق بيطار ملف تفجير المرفأ من سلفه المحقق العدلي فادي صوان – الذي صدر قرار برده عن محكمة التمييز الجزائية –.

وقد اتخذ المحقق العدلي بيطار قرارات عدة أحدثت اعتراضات ولغطاً كبيراً لدى رجال القانون في لبنان، لا سيما إدعائه بحق رئيس مجلس الوزراء المستقيل حسان دياب وأربعة وزراء سابقين…

كما أن بعض السياسيين تساءلوا عما إذا كان المحقق العدلي المذكور ينفذ سياسات انتقامية بدل فرض العدالة، مشككين بحياديته، لا سيما عدم إدعائه على قائديّ الجيش والمخابرات وغيرهما من المسؤولين الأمنيين…

وفي هذه الدراسة سوف نفند ادعاءات وتحقيقات المحقق العدلي، وأين أصاب، وأين أخطأ وفقاً للدستور والقوانين المرعية الإجراء، ولماذا لم يلاحق رئيس الجمهورية، وكيف وأين تتم ملاحقته؟! وهل يمكنه الإدعاء على رئيس الحكومة؟؟. ثم نعرض مخالفات المحقق العدلي للقانون وممارسة الكيدية في الادعاء.

 

أولاً: في ملاحقة رئيس الجمهورية:

تنص المادة /60/ من الدستور اللبناني على ما يلي:

«لا تبعة على رئیس الجمهوریة حال قیامه بوظیفته إلا عند خرقه الدستور أو في حال الخیانة العظمى. أما التبعة فیما یختص بالجرائم العادیة فهي خاضعة للقوانین العامة، ولا یمكن اتهامه بسبب هذه الجرائم أو لعلتي خرق الدستور والخیانة العظمى إلا من قبل مجلس النواب بموجب قرار یصدره بغالبیة ثلثي مجموع أعضائه ویحاكم أمام المجلس الأعلى المنصوص علیه في المادة الثمانین».

إذاً، لا سلطة للقضاء العدلي لا لإتهام رئيس الجمهورية ولا لملاحقته ولا محاكمته، بل تعود سلطة الإتهام والملاحقة إلى مجلس النواب، والمحاكمة إلى المجلس الأعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء.

وإذا ما أراد البعض ملاحقة رئيس الجمهورية فإن ذلك ممكن أن يتم عند الإدعاء بخرق الدستور أو الخيانة العظمة أو حتى الجرائم العادية.

ويكون الإدعاء في هذه الحالة من قبل نواب يمثلون خمس أعضاء المجلس النيابي على الأقل (5/1) (القانون رقم 13/90).

 

الخيانة العظمى:

وهي جريمة غير منصوص عنها في القوانين لأنها جريمة سياسية وعقابها نابع من أجل ذلك من الرأي العام الذي يطالب بالمعاقبة بقوة النقمة التي تكون قد اجتاحته من جراء أعمال رئيس الجمهورية المشكو منها.

وقد حدد الفقيه الفرنسي Eisonmann الخيانة العظمى بأنها تعسف رئيس الجمهورية في ممارسة سلطاته من جهة خرق القوانين أو الدستور في الداخل أو تهديد مصالح الدولة الخارجية باقترافه خطأ جسيماً.

(منشور في الوسيط في القانون الدستوري اللبناني، 2006، زهير شكر، ص752).

 

خرق الدستور:

ويقصد به خرق رئيس الجمهورية لأي نص دستوري إن كان هاماً أو عادياً. فمثلاً، يكون رئيس الجمهورية خارقاً للدستور عندما يمتنع عن نشر قانون ضمن المهلة المحددة لذلك.

(الوسيط في الدستور اللبناني، 1970، إدمون رباط).

اقتراف الجرائم الجزائية العادية المنصوص عنها في القوانين.

 

ثانياً: في ملاحقة رئيس مجلس الوزراء والوزراء:

ادعى المحقق العدلي على رئيس مجلس الوزراء المستقيل حسان دياب، كما أنه ادعى على أربعة وزراء سابقين بجناية القتل بالإهمال القصدي وجرائم الإهمال…

فهل أصاب بهذا الإدعاء أم خالف الدستور والقوانين؟

تنص المادة /70/ من الدستور على ما يلي:

«لمجلس النواب أن یتهم رئیس مجلس الوزراء والوزراء بارتكابهم الخیانة العظمى أو بإخلالهم بالواجبات المترتبة علیهم…».

وتنص المادة /71/ من الدستور على ما يلي:

«یُحاكم رئیس مجلس الوزراء والوزراء المتهمين أمام المجلس الأعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء».

وتنص المادة /18/ من أصول المحاكمات أمام المجلس الأعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء:

« باستثناء خرق الدستور والخيانة العظمى والإخلال بالواجبات الوظيفية يكون المجلس الأعلى مقيداً بالقانون مع وصف الجنايات والجنح وفي العقوبات…».

فسر أغلب الاجتهاد والفقه عن حق نص المادة /70/ على أنه يعود لمجلس النواب حصراً اتهام وملاحقة رئيس مجلس الوزراء والوزراء المرتكبين لجرائم الخيانة العظمى أو الإخلال الوظيفي أو الجرائم العادية إذا كانت مرتبطة بوظائفهم الحكومية، وفسروا حرف الجر «ل» بكلمة لمجلس أنه تعود لمجلس النواب سلطة تقديرية في الملاحقة أم لا، ولا تعني إطلاقاً أنه يمكن ملاحقتهم من قبل المجلس النيابي أو القضاء العدلي أو أي مرجع آخر.

وقد أيدوا تفسيرهم هذا بنص المادة /18/ أصول المحاكمات المذكورة آنفاً، والتي تؤكد على اختصاص المجلس الأعلى لمحاكمة رئيس مجلس الوزراء والوزراء حتى عندما يقترفون جرائم جزائية عادية ولكن مرتبطة بعملهم الحكومي.

وبحسب تفسيرهم فإنه يمكن للقضاء العدلي ملاحقة رئيس مجلس الوزراء والوزراء في حالة واحدة فقط، وهي إقدام هؤلاء على اقتراف جرم جزائي عادي كأشخاص عاديين يقع تحت طائلة قانون العقوبات، أو اي قانون خاص إذا اقترفوه بعيداً عن وظائفهم الحكومية من دون أن يكون لهذه الوظيفة أي علاقة بالجرم.

وسوف نعرض لأبرز اجتهادات المحاكم اللبنانية وآراء كبار فقهاء الدستور الذين تبنوا هذه الوجهة من تفسير المواد المذكورة:

 

اجتهاد المحاكم:

– القرارات القضائية التي صدرت في قضية الوزير السابق شاهي برصوميان، التي أكدت على أن لا اختصاص للقضاء العدلي للنظر بالدعوى باعتبار أن ما نُسب للوزير جرائم تتعلق بوظيفته كوزير.

– قرار الهيئة الإتهامية في بيروت تاريخ 18/12/1989،  والذي قضى بعدم اختصاص القضاء العدلي لملاحقة الوزير السابق جوزف الهاشم لأن الأعمال المنسوبة إليه تتعلق بوظيفته الوزارية.

– قراري الهيئة العامة لمحكمة التمييز بخصوص ملاحقة الوزير السابق فؤاد السنيورة، حيث

أكدا على أن لا صلاحية للقضاء العدلي بملاحقة الوزير المذكور لأن ما أسند إليه يتعلق بوظيفته كوزير.

– وعللت الهيئة في قراريها أنه يُفهم من نص المادة /70/ من الدستور تفريقها بين فئتين من الأفعال بالنسبة لرئيس مجلس الوزراء والوزراء، فئة تتأتى من إخلالهم بالواجبات المترتبة عليهم، والتي تخضع لإجراءات الملاحقة من قبل مجلس النواب والمحاكمة أمام المجلس الأعلى وتستمد مفهومها من الطبيعة السياسية لعمل هؤلاء، وفئة أخرى مؤلفة لجرائم عادية تخضع لصلاحية القضاء الجزائي العادي.

(تفاصيل هذه القرارات مذكورة في الوسيط في القانون الدستوري اللبناني لزهير شكر- ص934 وما يليها):

«يتبع في الحلقة الثانية»

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.