د. مروان بركات لـ «الشرق»: الاتّفاق مع صندوق النقد الدولي هو السبيل الوحيد لاستقرار مستدام في سعر الصرف

203

كتبت ريتا شمعون:

تعاود الحكومة جلساتھا الیوم لدرس وإقرار الموازنة العامة التي تشكل محطة أساسیة یحتاجھا لبنان لانتظام عمل المؤسسات، كذلك تتحدث المعلومات عن وضع اللمسات الأخیرة على مسودة الورقة التي اعدتھا اللجنة الوزاریة برئاسة رئیس الحكومة نجیب میقاتي الى إجتماعات صندوق النقد الدولي تحت عنوان «مشروع التعافي المالي والإقتصادي» وما بینھما السیاسة النقدیة لجھة تحدید سعر الصرف إذ ترك الأمر غامضا وتبریر ذلك أن سعر الصرف یتحرك بسرعة ولا یمكن تحدید رقم ثابت منذ الآن ، غیر أن التوقعات تشیر الى سعر الصرف قد ینخفض أكثر دون أن یعني ذلك إستقراره وقد تحقق ذلك من خلال التعمیم 161.

الدكتور مروان بركات، كبیر الإقتصادیین ورئیس قسم الأبحاث لدى بنك عودة أكد في حدیث لـ «الشرق» ان التعمیم 161 الذي یجیز السحوبات بالدولار من المصارف على سعر صیرفة یعزز عرض الدولار في السوق وبالتالي یستھدف الحد من وتیرة تدھور سعر الصرف. وقد تحقق ذلك حتى الان في ظل الالتزام شبه المطلق من قبل مصرف لبنان والمصارف. إلا ان مفعول التعمیم محدود ومرحلي مثل إعطاء ابرة مورفین لمریض یعاني من مرض عضال. إضافة الى ان اجل التعمیم یحده الحجم المحدود للاحتیاطات السائلة في مصرف لبنان والبالغة 12.5 ملیار دولار والتي تتدنى بمقدار 500 ملیون دولار في الشھر حتى بعد رفع الدعم. یجدر الذكر ان احتیاطیات مصرف لبنان السائلة وصلت الى ما دون الاحتیاطي الالزامي، ما یعني ان استعمال ھذه الاحتیاطیات ھو على حساب توظیفات المصارف في مصرف لبنان. وبالتالي قدرة مصرف لبنان على ضخ الدولارات في السوق محدودة بالحجم والوقت.

سلوكية سعر الصرف بالسوق الموازية

تحددها عوامل سيكولوجية وبنيوية

أضاف بركات: «في الواقع أن سلوكیة سعر صرف اللیرة في السوق الموازیة یحددّھا مجموعة عوامل منھا سیكولوجیة تتعلق بعامل الثقة والمرتبط بالوضع السیاسي العام ومنھا بنیویة متعلقة بالعرض والطلب البنیوي على اللیرة اللبنانیة والدولار الأمیركي في السوق. على صعید العوامل السیاسیة، فإن كان المناخ السیاسي ملائم، كما حصل أخيراً عند الاتفاق على إعادة احیاء مجلس الوزراء، ینخفض سعر الدولار في السوق. اما إذا كان المناخ السیاسي ملبداً یشوبه تجاذبات سیاسیة كبیرة تؤثر على التوقعات الاقتصادیة وتشكیك في الافاق، فیرتفع سعر صرف الدولار في ظل مناخ من الحذر یؤدي الى تخزین اللبنانیین الدولارات الى أیام أحلك سواداً. على صعید العوامل البنیویة، إن تدھور سعر الصرف في اللیرة مرتبط بعملیات خلق نقد ملحوظة باللیرة اللبنانیة (مع ارتفاع حجم النقد المتداول من 10 آلاف ملیار لیرة في بدایة العام 2020 إلى 45 ألف ملیار لیرة في نھایة العام 2021) في ظل تنقید العجز العام من قبل مصرف لبنان، وشحّ في الأموال الوافدة باتجاه لبنان وفاتورة الاستیراد الكبیرة (رغم انخفاضھا النسبي)، إضافة الى نشاط المضاربة بشكل عام. ویأتي تدخل مصرف لبنان في السوق كعامل یحد من الذبذبات مرحلیاً». وأكد بركات، ان لتدھور سعر الصرف مؤخراً آثاراً تضخمیة كبیرة، ما زاد من نسبة الأسر التي تعیش تحت خط الفقر لتبلغ 78% حالیاً وفق آخر إحصاءات الأمم المتحدة مقابل متوسط عالمي بحدود 28 %(36% تحت خط الفقر المدقع في لبنان مقابل معدل عالمي9%). ووفق للأرقام الصادة عن إدارة الإحصاء المركزي، فإن التضخم الإجمالي بلغ 603% بین تشرین الثاني 2019 وتشرین الثاني 2021، نتیجة اولاً تضخم بنسبة 133% بین تشرین الثاني 2019 وتشرین الثاني 2020 وثانیاً تضخم نسبته 201% بین تشرین الثاني 2020 وتشرین الثاني 2021. لبنان حتماً یشھد تضخماً مرتفعاً جداً وفق المعاییر الدولیة. وقال: إن نسبة التضخم العالمي ما زالت دون 5% مقابل نسبة سنویة تفوق 100% في لبنان. فقد بلغ التضخم العالمي4.3% في العام 2021 على الرغم من ارتفاعه الملحوظ وفق تقریر آفاق الاقتصاد العالمي الصادر عن صندوق النقد الدولي (2.8% للبلدان المتقدمة و5.5% للبلدان الناشئة والاقتصادات النامیة). إن أبرز عوامل التضخم في لبنان ھو تدھور سعر صرف اللیرة، إضافة الى مفاعیل رفع الدعم».

المطلوب إجراءات بنيوية جذرية

للسيطرة على تفلّت سعر الصرف

من ھنا یشدّد بركات على أھمیة اعتماد إجراءات بنیویة أكثر جذریة للسیطرة على تفلت سعر صرف الدولار وتثبیته على سعر مستدام. ھذه الإجراءات یجب ان تكون آیلة الى الحد من العجز التوأم ألا وھو العجز الخارجي في میزان المدفوعات الذي یستنزف مخزون الدولار في البلد وعجز المالیة العامة الذي یضخم مخزون اللیرات في لبنان. ھذا یتطلب قبل كل شيء ابرام اتفاق مع صندوق النقد الدولي وھو السبیل الوحید لتثبیت سعر صرف الدولار على نحو مستدام، بحیث یتخذ الصندوق دور المراقب لتنفیذ الإصلاحات. بغیاب إجراءات بنیویة تعید التوازن بین الكتلتین، الكتلة باللیرة والكتلة بالدولار، من المرجّح ان یبقى تقلب سعر صرف الدولار على الوتیرة نفسھا، علماً ان ارتفاعه وانخفاضه بوتیرة ملحوظة تعتبر كلاھما ظواھر غیر صحیة.

وقال: «إن موضوع ابرام اتفاق متكامل مع صندوق النقد یعدّ حدثاً تاریخیاً إن حصل. من ھنا، أھمیة التوصّل الى أرضیة مشتركة مع الصندوق والتوصل الى اتفاق قبل الانتخابات النیابیة. ان التوصّل الى برنامج مع الصندوق یؤمن انخراط الصندوق في مراقبة تطبیق الإصلاحات الھیكلیة والمالیة وتنفیذھا على خیر وجه، ما یؤثر ایجاباً على انخراط الدول المانحة، ویمھّد الطریق امام انعكاس النمط السائد على الصعید الاقتصادي ووضع حد للضغوط الماكرو- اقتصادیة والاجتماعیة الضخمة التي ترزح تحتھا البلاد منذ عامین ونیف».

سلوك المسار الصحيح يخلق

نموّاً إيجابياً في العام 2022

وتابع: «في حال سلك لبنان المسار الصحیح في ھذا العام، یعني في حال تم التوصل إلى ابرام اتفاق مع صندوق النقد الدولي، وإطلاق الإصلاحات الجدّیة وتأمین الدعم الدولي المنتظر، نتوقع نمواً إیجابیاً في الناتج المحلي الحقیقي في العام 2022، وذلك انطلاقا من قاعدة ضعیفة في العام الماضي، وبدعم من الاستھلاك الخاص والطلب الاستثماري، ما قد یسھم في تحسن نسبي في الأوضاع الاجتماعیة والاقتصادیة عموماً، ویضع لبنان على مسیرة النمو الإیجابي مجدداً».

وأضاف: إن صندوق النقد الدولي سیقوم بتأمین الدعم للبنان في حال تم التوصّل إلى اتفاق متكامل مع الحكومة اللبنانیة یستند على عدد من النقاط أبرزھا: الاتفاق على حجم الخسائر وتوزیعھا على مختلف العملاء الاقتصادیین، إلغاء جمیع أنواع الدعم، تشریع قانون الكابیتال كونترول، توحید أسعار الصرف المختلفة، التحضیر لموازنة تقشفیة تستھدف عجزاً لا یتجاوز 2% من الناتج المحلي الإجمالي، إصلاح قطاع الكھرباء، إصلاح القطاع المصرفي من أجل تعزیز الحوكمة وقدرته على مواجھة الضغوط والعمل على استعادة دوره كعمیل ذو مصداقیة بنّاءة یعوّل علیھا. ھذا، وتوصّل الفریق المفاوض مع صندوق النقد الدولي الى رقم موحّد للخسائر في القطاع المالي الا وھو 69 ملیار دولار، علماً انه كان یقارب 31 ملیار دولار في تشرین الأول 2019 عند اندلاع الازمة ما یدل على الكلفة الباھظة لتأجیل الإصلاحات. أما التحدي الأبرز فیكمن في كیفیة توزیع الخسائر على الدولة ومصرف لبنان والمصارف والمودعین في سیاق خطة تعافي كاملة متكاملة، علماً ان اللجنة بدأت تنكبّ على تقصّي التوزیع المنصف على كافة العملاء الاقتصادیین.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.