ذاكرة بيروت

144

يأخذ مفهوم المدينة الحديثة حيزاً هاماً في التفكير المعاصر، فقد أصبحت المدن صورةً عن النسيج المديني والثقافي والاجتماعي والسياسي والأمني للدولة وللشعب، بمعنى آخر أصبحت المدينة هي صورة الدولة والمجتمع. أمام هذا الواقع ما هي صورة بيروت في الزمن الحاضر؟

يمكن القول إن صورة بيروت نسبة إلى هذا المفهوم الحديث مبنية على تراكم الاحداث التي انطبعت في ذاكرة المدينة وفي نسيجها المعماري منذ نشأتها وصولاً إلى الزمن الحاضر. أخذت هذه المدينة شكلها الحالي نتيجة التحولات التي عايشتها خلال المئة عام الماضية.

إن قراءة تاريخ بيروت وفق المفهوم الجديد للزمن، الذي أوجدته الثقافة التكنولوجية المعاصرة حسب الكاتب الإنكليزي ستيف ديكسون، الذي اعتبر أن قياس الزمن لم يعد بعدد السنين إنما وفقاً للمحاور التاريخية التي تشكل انعطافات جادة يقاس بها الزمن.

انطلاقاً من هذا المفهوم فإن محطات زمنية عديدة طبعت ذاكرة مدينة بيروت الحديثة التي كانت نموذجاً ثقافياً مثيراً للاهتمام، انطلاقاً من تعاقب الحضارات والشعوب التي مرت عليها، ومن خصوصية تركيبتها الاجتماعية والثقافية والسياسية.

 

يبرز اليوم زمانان يقف عندهما لبنان، المئوية الأولى لولادة لبنان الكبير (١٩٢٠)، وما بعد المئة اليوم لانفجار المرفأ، يتخللهما زمن مِحوري توقفت عندها حالة لبنان الحضاري الا وهي الحرب الاهلية (١٩٧٥ – ١٩٩٠). فإذا أردنا تفكيك صورة بيروت المعمارية نسبةً إلى ذاكرتها الحديثة عبر هذه المحاور الزمنية منذ نشأة لبنان الكبير إلى اليوم، نرى مدينة هجينة متأرجحة بين تلاشي صورة الماضي الجميل الذي ما زال يتغنى به جيل ما قبل الحرب وبين ولادة صورة مركبة في توليفة من «الكولاج»، من العمارة المتنافرة والتي تحمل إيقاعاً منفرداً. فتتماهى صورة الأبنية التراثية التي يعود بعضها إلى الطراز المعماري لعصر النهضة الجديدة أو إلى أزمنة سابقة وأغلبها في حالةٍ شبه مهدمة، لتتداخل مع الأبنية التي ما زال بعضها يحمل آثار الحرب الاهلية التي قسمت المدينة إلى شطرين «شرقي وغربي»، أشهرها برج المر الذي يقف مشرفاً بحضوره اللافت على بيروت بشكله الخارجي غير المكتمل وسواد نوافذه التي تحمل ذاكرة خمسة عشر سنة من الصراع غير المجدي عانى منه جيل عايش هذه الحرب وذاق لوعتها. ليطالعنا مؤخراً وتحديداً في الرابع من آب الماضي نسخة محدثة عن برج المر وهي إهراءات القمح في مرفأ بيروت، والذي حوله الانفجار الآثم الذي ما زالت أسبابه مجهولة إلى مجسم غريب لا شكل محدد له، كائن تجريدي تفوح منه رائحة الأموات الذين قضوا في ذلك التاريخ. يطرح هذا الهيكل الخرساني الذي دخل ذاكرة المدينة مؤخراً علامات تعجب كبيرة. لينضم إلى قافلة الأبنية المؤثرة التي انطبعت في ذاكرة بيروت ويصبح ربما أحد معالمها المعاصرة.

الا تمثل صورة بيروت اليوم صورة الدولة التي استفحل فيها الفساد والجشع والطمع والاستهتار لدرجة تشويه هذه المدينة، التي لطالما تغنّى بها كبار الشعراء، وحولها من دون ذنب اقترفته إلى مدينة تلفظ طاقاتها الشبابية وتحملهم إلى الهجرة والبحث عن أمكنة أخرى في بقاع العالم.

هاء . كاف

 

بيروت في ذاكرة التاريخ

 

يعود تاريخ بيروت الى أكثر من 5000 عام.

وتدل أعمال الحفريات الأثرية على تنوع الحضارات فيها، إذ عثر على طبقات متعددة من الآثار الفينيقية والهيلينية والرومانية والعربية والعثمانية. وتعتبر بيروت من أقدم المدن على الساحل الشرقي للبحر المتوسط.

اختلف المؤرخون في أصل اسم بيروت برأيين بارزين:

الأول ان الاسم مشتق من كلمة بيروتا الآرامية ومعناها الصنوبرة وتلفظ بيروهواز، والثاني تعني بئر كما في العبرية بئروت. سماها الفينيقيون بـ»المدينة الإلهة» لعنادها في مقارعة «صيدون» وأطلق عليها الرومان اسم «ام الشرائع» ونعتها العثمانيون بـ»الدرّة الغالية» وفي العصر الحديث خلّدها نزار قباني بـ«ست الدنيا».

كانت بيروت في عصر ما قبل التاريخ، أرضاً صخرية تغمرها مياه البحر التي انحسرت في العصر الحجري القديم.

ومنذ نهاية الألف السابع قبل الميلاد، عاش فيها انسان العصر الحجري. وفي مطلع الألف الثاني قبل الميلاد نزح شعب سامي من شبه الجزيرة العربية فسكنها. وعاشت بيروت عصرها الذهبي بعد تحررها من النفوذ المصري.

بنيت بيروت من قبل اهل جبيل (بيبلوس) قبل أربعة آلاف سنة وما لبثت ان أصبحت مملكة مستقلة.

خضعت بيروت لحكم المصريين بعدما قام الفرعون تحوتمس الثالث باحتلالها. لكنها عرفت أزهى أيامها خلال عهد هيرودوس، فأصبحت مدينة رومانية كاملة الحقوق.

فتحها العرب بقيادة معاوية بن أبي سفيان في زمن خلافة عمر بن الخطاب الذي أمر بترميمها وتحصينها بالقلاع.

هاجمت جيوش الصليبيين بيروت سنة 1102، ثم تحررت. وفي العام 1516 تغلب السلطان سليم العثماني على المماليك ودخلت جيوشه بيروت.

بقيت بيروت تحت الحكم المصري من سنة 1832 حتى 1841 وهي المدة التي بقيت فيها بلاد الشام في حوزة ابراهيم باشا، حتى نجحت الدولة العثمانية بفرض سيطرتها على بلاد الشام وعيّنت سليم باشا واليا عليها، حيث ازدهرت وعظم شأنها. وخلال احداث 1860 بين الدروز والمسيحيين لجأ عدد كبير من الموارنة الى بيروت هرباً من المذابح في جبل لبنان ودمشق.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.