رأي هيئة التشريع والاستشارات: حجر الزاوية في دولة القانون والمؤسسات
نثمّن رأي هيئة التشريع والاستشارات، الذي أكّد ضرورة حماية حق المغتربين الطبيعي والدستوري بالاقتراع، وعلى إمكانية تنظيم اقتراعهم وفقاً لدوائر قيدهم الانتخابية لاختيار كامل أعضاء مجلس النواب في ظلّ الظروف الحالية، أي الـ128 نائباً، أسوةً بالمقيمين في لبنان. ونرى في هذا الرأي “خطوةً مفصلية تُكرّس مبدأ المساواة بين اللبنانيين أينما وجدوا، وتعيد تصويب مسار المشاركة الديمقراطية بما ينسجم مع الدستور وروح الشراكة الوطنية.
فهذا الموقف القانوني يرسّخ دور الاغتراب بوصفه شريكًا كاملًا في القرار الوطني والحياة السياسية، لا مجرّد داعم اقتصادي أو معنوي، ويبدد أي التباس حول نطاق حق الاقتراع بما يضمن وضوح القاعدة الانتخابية وعدالة التمثيل في الاستحقاقات المقبلة. ويأتي هذا الرأي ليعيد المسألة إلى أصلها الصحيح بوصفها مسألةً حقوقيةً تتصل بضمان الحقوق السياسية للبنانيين المقيمين وغير المقيمين، بعيدا عن أي تجاذب سياسي.
حيث يشكّل رأي هيئة التشريع والاستشارات الصادر بتاريخ 13 شباط 2026 محطة مفصلية في الجدل القانوني المتصل باقتراع اللبنانيين غير المقيمين. وتكمن أهميته لا في نتيجته فحسب، بل في البنية التعليلية التي اعتمدها، والتي أعادت تأطير المسألة ضمن إطارها الدستوري الصحيح: حماية الحق في الاقتراع بوصفه حقاً أساسياً لا يجوز تقييده إلا بنص صريح ووفق شروط استثنائية ضيقة.
أولاً: التأصيل الدستوري للحق في الاقتراع
انطلق الرأي من مسلّمة دستورية ثابتة، مفادها أن حرية المواطن في أن يكون ناخباً ومنتخباً، وحقه في انتخابات دورية نزيهة وعامة وسرّية، هما من الحقوق الدستورية المكرّسة في الفقرة “ب” من مقدمة الدستور وفي المادة السابعة منه.
ويُعدّ هذا التأصيل منسجماً مع اجتهاد المجلس الدستوري اللبناني الذي شدّد مراراً على أن دورية الانتخابات وضمان شموليتها عنصران جوهريان في النظام الديمقراطي البرلماني.
كما ربطت الهيئة إمكان الحد من هذا الحق حصراً بتوافر خطر عام استثنائي يهدد وجود الدولة، وفقاً للمادة الرابعة من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، ما يعني أن الامتناع عن استكمال النصوص المتعلقة بالمقاعد الستة للمغتربين لا يرقى إلى مستوى السبب المبرر دستورياً لتقييد الحق.
وبذلك أرست الهيئة قاعدة واضحة: الأصل هو ممارسة الحق، والاستثناء هو تقييده، ولا يُصار إلى الاستثناء إلا بتفسير ضيق ومقيّد.
ثانياً: تحليل العلاقة بين المادتين 111 و112 من القانون رقم 44/2017
ميّز الرأي بدقة بين المادة 111 التي تكرّس حق غير المقيمين بالاقتراع في الخارج، والمادة 112 المتعلقة بتخصيص ستة مقاعد لهم (الدائرة 16).
وقد اعتبرت الهيئة أن تعليق العمل بالأحكام المتعلقة بالدائرة 16 في انتخابات 2022 لم يؤدِّ إلى تعطيل المادة 111، التي بقيت نافذة ومستقلة في مضمونها. وهذا التحليل يستند إلى مبدأ فقهي واجتهادي مستقر هو قابلية النصوص القانونية للتجزئة، بحيث إن تعذر تطبيق نص معيّن لا يؤدي حكماً إلى سقوط سائر النصوص القابلة للتطبيق بذاتها.
وتعزيزاً لهذا الاتجاه، ينسجم الرأي مع اجتهاد مجلس شورى الدولة اللبناني (قرار رقم 824/1997) الذي قرر أن الفراغ الناتج عن غياب المراسيم التطبيقية لا يؤدي إلى شلل القانون برمته، بل يُصار إلى تطبيق الأحكام التنظيمية السابقة في كل ما لا يتعارض مع النصوص التشريعية الجديدة.
وعليه، فإن غياب النصوص اللازمة لتنفيذ المادة 112 لا يشكّل “استحالة قانونية” تحول دون تطبيق المادة 111، ولا دون تنظيم اقتراع غير المقيمين للمقاعد الـ128 ضمن دوائر قيدهم.
ثالثاً: مفهوم الاستحالة القانونية وحدوده
رفضت الهيئة التسليم بمقولة الاستحالة القانونية الشاملة، معتبرة أن عدم إقرار النصوص الخاصة بالمقاعد الستة لا يشكل مانعاً يحول دون تطبيق سائر أحكام الفصل الحادي عشر من القانون 44/2017.
ويُعدّ هذا الموقف منسجماً مع مبدأ استمرارية المرفق العام، ومع القاعدة التي تقضي بعدم جواز تحميل الأفراد تبعات تقصير الإدارة أو إخفاق السلطة السياسية في استكمال الأطر التنظيمية. فالاستحالة التي تبرر تعليق ممارسة حق دستوري يجب أن تكون موضوعية ومطلقة، لا ناتجة عن امتناع إرادي أو تقاعس مؤسساتي.
ومن ثمّ، فإن تحميل الناخبين غير المقيمين نتيجة التعثر السياسي أو التشريعي يشكّل انحرافاً في استعمال السلطة، ويحوّل الحق الدستوري إلى امتياز خاضع لتقدير السلطة التنفيذية أو لإدارة جدول أعمال السلطة التشريعية.
رابعاً: تقاعس السلطة ومبدأ سمو الدستور
يكشف التحليل أن جوهر الأزمة لا يكمن في غموض النصوص، بل في إخفاق السلطات الدستورية في حسم الخيارات التشريعية أو إصدار المراسيم التطبيقية اللازمة.
غير أن هذا الإخفاق لا يمكن أن يرتب أثراً يمسّ جوهر الحق. فإعمال مبدأ سمو الدستور يقتضي تقديم القاعدة الدستورية على التعقيدات الإجرائية أو السياسية. كما أن اشتراط أكثرية الثلثين لإصدار مراسيم تطبيقية، على نحو يقيّد آلية عمل مجلس الوزراء خارج ما نص عليه الدستور في مادته 65، يثير إشكالية دستورية مستقلة تمسّ بمبدأ الفصل بين السلطات.
إن النتيجة التي خلصت إليها الهيئة تؤدي عملياً إلى قلب منطق “الحالة الشاذة”: فبدلاً من أن تُستخدم الظروف الاستثنائية ذريعة لتعليق الحقوق، يصبح الحق الدستوري معياراً لتقويم مشروعية السلوك السلطوي، وأداة لضبطه.
وبالتالي، يتسم رأي هيئة التشريع والاستشارات بتماسك منطقي ودستوري واضح. فقد أعاد تثبيت القاعدة الجوهرية القائلة إن عجز السلطة أو تقاعسها لا يمكن أن يتحول إلى سبب لمصادرة الحقوق السياسية. كما أرسى تفسيراً متدرجاً ومتوازناً للنصوص، يوفق بين مبدأ المشروعية ومتطلبات استمرارية العملية الانتخابية.
وبذلك يكون الرأي قد كرّس سمو الحق الدستوري في الاقتراع، وأكد أن ممارسة اللبنانيين غير المقيمين لحقهم في انتخاب كامل أعضاء مجلس النواب ليست خياراً سياسياً، بل التزام دستوري واجب الاحترام والتنفيذ.
ولكننا نؤكد أن تعقيدات هذا الملف لا تعود إلى غموضٍ قانوني فحسب، بل إلى تعطّل المسار التشريعي، ولا سيما بفعل عدم إتاحة المجال للهيئة العامة لمجلس النواب لمناقشة تعديل القانون وإنهاء مسألة المقاعد الستة. فقد جرى إعداد اقتراح قانون لإلغاء هذه المقاعد بالتعاون بين مجموعات اغترابية وعدد من النواب، كما أحالت الحكومة مشروع قانون يصب في السياق نفسه، إلا أن هذه المسارات لم تُستكمَل ولم تُبتّ مع اقتراب الاستحقاق الانتخابي، نتيجة قرار رئيس المجلس لعدم دعوة الهيئة العامة إلى مناقشتها واتخاذ القرار بشأنها.
ولذلك، نتمنى على الحكومة اللبنانية، ولا سيما وزارة الداخلية والبلديات ووزارة الخارجية والمغتربين، الأخذ بمضمون الاستشارة لضمان ممارسة غير المقيمين لحقّهم في الاقتراع في الخارج. وندعو مجلس النواب إلى تحمّل مسؤولياته الوطنية والتشريعية، والقيام بواجبه عبر اتخاذ التدابير التشريعية اللازمة، لتأكيد ما ورد في الاستشارة وتأمين الإطار القانوني الواضح لتطبيقه، بما يحفظ الحقوق ويصون العملية الديمقراطية من أي التباس أو اجتهاد مخالف.
ونشدّد على أن اللبنانيين في الاغتراب كانوا وسيبقون جزءًا لا يتجزّأ من النسيج الوطني، ومشاركتهم الكاملة في الحياة السياسية حق ثابت غير قابل للتجزئة أو الانتقاص. وعليه، فإننا نؤكد استمرارنا في متابعة مفاعيل هذا الرأي وترجمته واقعًا عمليًا في الاستحقاقات المقبلة.
د. ابراهيم العرب
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.