رغم غرق الجميع في الانكماش… اقتصاد الصين يعود بقوة…

25

في الأشهر الثلاثة الأولى من هذا العام، وعندما كان فيروس كورونا المستجد متفشياً في الصين، انكمش اقتصاد البلاد حينذاك للمرة الأولى منذ تسعينيات القرن الماضي، وظن الكثيرون ان التنين الآسيوي تنتظره أيام صعبة. لكن ما حدث هو ان الاقتصاد الصيني عاد للنمو، فيما غرقت بقية اقتصادات العالم في دوّامة الانكماش. وخلال الربع الثالث من هذا العام، نما الاقتصاد الصيني بنحو 4.9 في المائة. وصحيح ان هذه الأرقام قد جاءت أقل بقليل من توقعات المحللين، إلا أنها أكدت على ان مسيرة النمو، التي بدأها اقتصاد الصين في الربع الثاني من العام الجاري مستمرة.

وتوقع صندوق النقد الدولي في الفترة الأخيرة، نمو الاقتصاد الصيني بنحو 1.9 في المائة خلال العام 2020، فيما سينكمش الاقتصاد العالمي خلال العام ذاته بنسبة 4.4 في المائة، وسيطاول هذا الانكماش جميع الاقتصادات الرئيسة بلا استثناء، بما في ذلك الولايات المتحدة الاميركية والمانيا وبريطانيا واليابان.

 

عوامل متعددة وراء التعافي

وعلى عكس ما كان متوقعا، تعافى الاقتصاد الصيني والذي يمكن ردّه الى ثلاثة جوانب أساسية:

الأول يتعلق بنجاح الحكومة في احتواء الفيروس خلال فترة قصيرة من خلال اتباع اجراءات إغلاق صارمة وسياسات تتبّع للسكان حدّتْ من انتشار الفيروس وساعدت على تسريع العودة للحياة الطبيعية.

هذه العودة السريعة، دعمت الاقتصاد بأشكال متعددة، فمثلا عطلة الأسبوع الذهبي »العيد الوطني للصين« التي تعدّ موسما سياحيا للصين، شهدت قيام أكثر من 630 مليون صيني برحلات داخلية وانفاق ما يصل الى 70 مليار دولار، وهو رقم يعادل 70 في المئة من حجم الانفاق الذي شهده هذا الموسم خلال العام الماضي.

الجانب الثاني يتعلق بسياسات التحفيز الاقتصادي، التي لجأت اليها الحكومة الصينية، ان كان على مستوى السياسات النقدية التي قام بها البنك المركزي من خفض للفائدة وغيرها، او من خلال السياسات المالية التي تضمّنت زيادة الإنفاق على مشاريع البنى التحتية ودعم الأعمال.

 

مصنع العالم يستمر بالعمل

هيكل الاقتصاد، لعب ولا شك، دورا كبيرا في تسريع تعافي الاقتصاد الصيني. فتطبيق التباعد الاجتماعي في المصانع أسهل بكثير من تطبيقه في قطاع الخدمات كالمطاعم والمقاهي. وبما أن الصين موطن لأكبر عدد من المصانع في العالم، وتشكّل لوحدها 28 في المائة من الانتاج الصناعي العالمي، فمن الطبيعي ان تتعافى أسرع من الاقتصادات الأخرى. وفي الوقت ذاته استفادت الصين من زيادة الطلب على المنتجات الطبية والوقائية المرتبطة بكورونا، وكذلك على المنتجات التكنولوجية التي تزايد الطلب عليها  خلال فترة الحجز والعمل من المنزل. ونتيجة لذلك قفزت صادرات الصين، في الربع الثالث فقط بنحو 10 في المائة متجاوزة 743 مليار دولار، ما دعم الاقتصاد الصيني وأنعشه وجعله يتعافى بسرعة أكبر. وقبل فيروس كورونا، ظهرت بعض التوقعات التي رجّحت تراجع دور الصين في قيادة نمو الاقتصاد العالمي، لاسيما مع تحوّل تركيزها الى الاستهلاك المحلي. لكن ذلك لن يحدث على الأغلب بحسب رئيسة قسم الاقتصاد في جامعة بيكين جيمي جينغ والتي قالت: »الاقتصاد الصيني كان القاطرة التي قادت الاقتصاد العالمي للتعافي بعد الأزمة المالية عام 2008، ولن يختلف الأمر هذه المرّة، لأن الصين هي الاقتصاد الوحيد الذي لم يدخل ما يسمى بـ»الانكماش التقني« الذي دخلت فيه معظم اقتصادات العالم. فالصين ليست في كوكب منفصل، انها عبارة عن شبكة مكوكية ترتبط بها الكيانات الاقتصادية الأخرى، وأبسط دليل على ذلك، هو تقرير صندوق النقد الدولي الأخير، الذي عدّل توقعاته للاقتصاد العالمي، آخذا بالاعتبار نمو الاقتصاد الصيني كداعم أساسي. بالإضافة لذلك، فإنّ أرقام الصندوق تظهر أيضاً أن الصين ستبقى المساهم الأكبر في النمو العالمي حتى العام 2025، إذ أنها ستكون مسؤولة عن نحو 28 في المائة من نمو العالم، وبفارق كبير عن بقية الاقتصادات.

 

الصين المستفيد الأول

حتى الآن، يبدو ان الاقتصاد الصيني، قد خرج كرابح وحيد مما حدث. فحصّة الصين مثلاً من الصادرات العالمية قفزت من 13 في المائة مطلع عام 2020 الي ما يقارب الـ16 في المائة بحسب تقديرات اكسفورد إيكونوميكس، وهذا العام، سترتفع حصتها من الاقتصاد العالمي بأكثر من 1 في المائة لتصل الى 17.5 في المائة بنهاية 2020.

لكن ذلك قد لا يعني ان طريق الاقتصاد الصيني سيكون مفروشا بالورود. فالدور الكبير للتصدير في الاقتصاد الصيني يجعلها عرضة لتباطؤ الطلب في الاقتصادات العالمية، لاسيما الرئيسة منها، كما ان الحرب التجارية بين واشنطن وبيكين، والتي هدأت حدّتها قليلاً مع إبرام اتفاقية المرحلة الأولى، مازالت موجودة، وقد تعود التوترات التجارية، بغضّ النظر عن هوية الفائز في الانتخابات الرئاسية الاميركية المقبلة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.