رودولف هيكل… والفوضى السياسية
بقلم دافيد عيسى
جاء القرار الأميركي الاخير نتيجة تراكم انزعاج واشنطن من ما تعتبره مماطلة لبنانية في ملف سلاح حزب الله.
وقد مضى أكثر من ثلاثة أشهر على اتخاذ قرار بحصر هذا الملف بيد الشرعية اللبنانية، فيما تُصرّ واشنطن على تنفيذه سريعًا، وحتى لو اقتضى الأمر مواجهة مباشرة بين الجيش والحزب.
مواجهة يرفضها كبار المسؤولين واغلبية اللبنانيين مواجهة سوف تكلف هذا الوطن غاليآ، وقد أبلغوا هذا الرفض تكرارًا للمبعوثة الأميركية مورغان أورتاغوس.
الجيش وقائده العماد رودولف هيكل دفعوا ثمن هذه الفوضى السياسية، وحملت المؤسسة العسكرية نتائج قرارات ليست مسؤولة عنها.
وها هو الجيش يجد نفسه في قلب السجالات والخلافات السياسية الداخلية، وكأن المطلوب منه أن يدفع ثمن التجاذبات التي لا علاقة له بها.
وفي هذا المجال لا بد من طرح الأسئلة التالية:
– أليس الجيش مؤسسة نظامية تخضع للسلطة التنفيذية وتنفذ السياسات المرسومة لها؟
– ألم يعد معروفًا للجميع أن الجيش هو “الجهة الصالحة لكل مهمة” في هذا البلد، من ضبط التظاهرات إلى تنظيم الفعاليات الرياضية، ومن حماية المؤسسات إلى تأمين الاحتفالات الدينية، وصولًا إلى أصغر تفاصيل الأمن اليومي؟
وكذلك فأن الجيش لا يواجه هذه التحديات فحسب، بل يتحمل ايضآ أعباء إضافية تشمل:
– الحفاظ على استقرار المؤسسة العسكرية في ظل أوضاع سياسية واقتصادية خانقة، لضمان تماسكه وقدرته على أداء دوره الوطني.
– تعزيز التعاون مع قوات “اليونيفيل” لضمان الأمن في جنوب لبنان بعد العدوان الإسرائيلي، وتطبيق اتفاق وقف إطلاق النار لمنع أي توتر أو خرق جديد.
– مكافحة المخدرات والإرهاب والحفاظ على الأمن الداخلي في لحظة حساسة قد تتوسع فيها الفوضى إلى مناطق عدة.
هذا الواقع ليس جديدًا، لكنه يتكرر كلما حاول البعض الاستثمار السياسي على حساب المؤسسة العسكرية.
وآخر فصول هذا الاستثمار ما حصل خلال زيارة قائد الجيش المرتقبة إلى واشنطن، حيث أدت تصريحات بعض أعضاء الكونغرس الأميركي إلى إلغاء عدد من المواعيد الرسمية في برنامج الزيارة.
وبحسب المعلومات، فقد أُبلغ الجيش بهذه التعديلات، فاختار قائد الجيش الاعتذار عن السفر لتجنب أي إحراج أو تأويل سياسي قد ينعكس سلبًا على المؤسسة.
يثبت قائد الجيش، العماد رودولف هيكل، في أصعب اللحظات أنه يتصرف بروية وبقراءة دقيقة للتوازنات الداخلية والخارجية، محافظًا على السلم الأهلي.
وقد جاء قراره بعدم القيام بالزيارة قرارًا وطنيًا مدروسًا وحكيمًا، يحفظ كرامة المؤسسة العسكرية ويجنبها الانجرار إلى لعبة رسائل سياسية لا ناقة لها فيها ولا جمل.
فالجيش ليس فريقًا سياسيًا، ولا جهة تفاوضية، ولا صندوق بريد لتبادل الضغوط، بل هو مؤسسة وطنية واضحة المهمة: حماية لبنان، واستمرار عمل الدولة، وتنفيذ قرارات الحكومة الشرعية.
قد يختلف اللبنانيون في السياسة، لكنهم يجمعون على حقيقة واحدة: ان الجيش هو صمام الأمان الأخير. ومن الطبيعي احترام هذه المؤسسة وصون هيبتها، لا تحميلها تبعات صراعات لا علاقة لها بها.
فالجيش الذي يقف على الحدود، ويؤمن الأمن الداخلي، ويحمل على كتفيه أعباء انهيار اقتصادي واجتماعي غير مسبوق، يستحق الدعم، لا أن يتحمّل مسؤولية أخطاء الآخرين.
في الختام، الحقيقة واضحة: لا يجوز تحت أي ظرف تحميل الجيش وقائده فاتورة لا تخصهما. فالجيش اللبناني هو المؤسسة الوحيدة التي لا تزال تعمل بصمت، تحمل لبنان على كتفيها دون أن تساوم على كرامتها أو دورها الوطني.
فالجيش يبقى الحل الأخير قبل السقوط الكبير. من هنا، المطلوب رفع اليد عنه والتوقف فورًا عن جرّه إلى صراعات لا تمثل رسالته، لأنه الجدار الأخير في وجه الانهيار الكامل. وإذا سقط هذا الجدار، فلن يبقى وطن ليختلفوا عليه.
دافيد عيسى
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.