زيارة سلام إلى دمشق: نحو مقاربة سياديّة للعلاقات البينيّة /1

13

بقلم د. ابراهيم العرب

تكتسب زيارة رئيس مجلس الوزراء اللبناني، القاضي الدكتور نواف سلام، إلى العاصمة السورية دمشق ولقاؤه بالرئيس السوري أحمد الشرع، أهمية سياسية تتجاوز حدود البروتوكول الدبلوماسي والمجاملات الرسمية. فهي تأتي، من حيث التوقيت والدلالات، في سياق محاولة لإعادة صياغة العلاقة اللبنانية ـ السورية على أسس جديدة، قوامها احترام السيادة، وتفعيل المؤسسات، والانتقال من إرث الالتباسات التاريخية إلى منطق المصالح المشتركة وحسن الجوار. فاللقاء بين الرئيسين سلام والشرع لا يمكن التعامل معه كحدث عابر في مسار العلاقات الثنائية، بل كمؤشر إلى احتمال نشوء مقاربة سياسية مختلفة لملف بالغ الحساسية في الوعي اللبناني والسوري معاً. إذ أن العلاقة بين بيروت ودمشق لم تكن في يوم من الأيام مجرد علاقة جغرافية بين دولتين متجاورتين، بل تداخلت فيها الاعتبارات التاريخية والاجتماعية والاقتصادية والأمنية، واختلط فيها التعاون المشروع أحياناً بالهواجس السيادية والتجاذبات السياسية.

ومن هنا، تبرز أهمية الزيارة بوصفها تطرح سؤالاً محورياً: هل نحن أمام بداية مرحلة جديدة في العلاقات اللبنانية ـ السورية، تقوم على منطق الدولة إلى الدولة، لا على الوصاية أو القطيعة أو الارتهان؟ وهل يمكن للملفات الاقتصادية والأمنية والإنسانية أن تتحول إلى مدخل عملي لإعادة بناء الثقة بين البلدين؟

إن المعطيات الأولية، في ضوء أجواء الزيارة وطبيعة الملفات المطروحة، توحي بإمكان التعويل على هذا المسار. فما شهدته دمشق لا يبدو مجرد لقاء سياسي بروتوكولي، بل يعكس توجهاً نحو نقل العلاقة من منطق التجاذب السياسي الذي طبع مراحل سابقة، إلى إطار تعاون مؤسساتي أكثر انتظاماً. وهذا التحول يعكس إدراكاً لدى الرئيسين سلام والشرع بأن العلاقات بين الدول لا تُدار بالانفعالات أو بذاكرة الماضي وحدها، بل بالمؤسسات والقواعد القانونية والمصالح الواقعية.

وقد بدا لافتاً في خطاب الرئيس نواف سلام تركيزه على مبدأين متلازمين: احترام السيادة المتبادلة وطي صفحة الماضي. وهذان المبدآن لا يندرجان في إطار المجاملة الدبلوماسية فحسب، بل يشكلان أساس أي مقاربة سليمة للعلاقات الخارجية اللبنانية. فالرئيس سلام، بخلفيته القانونية والدبلوماسية، يدرك أن السيادة ليست شعاراً خطابياً، بل ممارسة مؤسساتية تبدأ من احتكار الدولة قرارها الخارجي، وتمر عبر القنوات الرسمية، وتنتهي عند احترام سيادة الآخرين كما يطالب لبنان باحترام سيادته. ومن هذا المنطلق، فإن تشديده على عدم استخدام لبنان منصة للإساءة إلى الدول العربية، وفي مقدمها سوريا، يعبّر عن رؤية متوازنة تعيد التأكيد على موقع لبنان كدولة عربية مستقلة، لا تدخل في محاور عدائية، ولا تسمح في الوقت نفسه بالمساس بسيادتها.

ولا بد هنا من الإشادة بالرئيس نواف سلام، الذي نجح، بهدوئه ورصانته، في إعادة نبرة الدولة إلى الخطاب الرسمي اللبناني. فقد جمع في مقاربته بين التمسك بالسيادة والانفتاح الواقعي، وبين الدفاع عن المصلحة اللبنانية والحفاظ على علاقات سليمة مع سوريا. وهي معادلة دقيقة لا ينجح فيها إلا رجل دولة يدرك أن السياسة الخارجية هي إدارة للمصالح ضمن إطار القانون والتوازن. فقد قدّم سلام نموذجاً مختلفاً في مقاربة الملف السوري: لا قطيعة ولا تبعية، ولا استعراض ولا انفعال، بل رؤية قانونية ومؤسساتية تنطلق من حقيقة أن لبنان لا يستطيع تجاهل موقعه الجغرافي، كما لا يجوز له التفريط بسيادته. وهذه المقاربة هي ما يمنح الزيارة بعدها الاستراتيجي.

في المقابل، برز الرئيس أحمد الشرع كشريك سياسي يسعى إلى فتح صفحة جديدة مع لبنان، قائمة على الاعتراف المتبادل بالمصالح والخصوصيات. وإذا كانت العلاقات اللبنانية ـ السورية قد شهدت مراحل معقدة ومختلة في السابق، فإن المناخ الذي طبع هذه الزيارة يوحي بأن دمشق باتت أكثر ميلاً إلى إدارة العلاقة مع بيروت بمنطق أكثر واقعية وتوازناً. والإشادة بالرئيس أحمد الشرع تبدو في محلها من زاوية سياسية وتحليلية، لأنه أظهر استعداداً للتعامل مع لبنان كدولة كاملة السيادة، لا كساحة نفوذ أو ورقة سياسية. وهذه نقطة بالغة الأهمية، لأن أي علاقة مستقرة بين البلدين لا يمكن أن تقوم إلا على الاعتراف المتبادل بالمؤسسات والمصالح والهواجس الوطنية لكل منهما.

كما أن الانفتاح السوري على مناقشة الملفات العالقة بروح إيجابية يعكس توجهاً جديداً نحو بناء علاقة قائمة على الواقعية السياسية لا على إرث الماضي. ومن شأن ذلك أن يخفف منسوب الريبة التاريخية، وأن يفتح الباب أمام تعاون متوازن في ملفات الحدود والطاقة والنقل والتبادل التجاري والنازحين والمفقودين.

والواقع أن نجاح الرئيسين سلام والشرع في تأسيس مناخ سياسي جديد بين بيروت ودمشق قد يشكل مدخلاً لإعادة تعريف العلاقة بين البلدين على قاعدة واضحة: فلا لبنان يستطيع الاستقرار في ظل علاقة متوترة مع سوريا، ولا سوريا تستفيد من لبنان ضعيف أو منقسم. فالاستقرار المتبادل مصلحة مشتركة، والسيادة المتبادلة ضمانة للطرفين.

ومن أبرز ما حملته الزيارة أيضاً، الطرح المتعلق بالانتقال من الصيغ التقليدية التي حكمت العلاقة اللبنانية ـ السورية، ولا سيما إطار “المجلس الأعلى اللبناني ـ السوري”، إلى آلية أكثر مؤسساتية تقوم على لجان وزارية متخصصة وإطار تنسيق رسمي يخضع للمرجعيات الدستورية في البلدين. وهذا التحول لا يقتصر على الجانب الإداري، بل يعبّر عن تغيير في فلسفة العلاقة نفسها. فالمجلس الأعلى ارتبط في الذاكرة اللبنانية بمرحلة سياسية شديدة الحساسية، فيما تتيح اللجان الوزارية، إذا ما أُنشئت وفق قواعد شفافة وواضحة، نقل العلاقة إلى مستوى أكثر طبيعية، شبيه بعلاقات لبنان مع سائر الدول العربية.

يتبع غداً

د. ابراهيم العرب

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.