شروق وغروب – بقلم خليل الخوري – الجوع يُحلّل المُحرَّم

55

يُخطئ من يذهب به الظن إلى أنّ الوضع الإقتصادي المتدحرج نزولاً لن تكون له تداعيات أمنية. فليس جديداً أنّ الإستقرارَين الأمني والإقتصادي مترابطان. فأيّ إنتعاش في الإقتصاد يؤدي إلى رخاء يستتبعه، حكماً، أمنٌ مرتاح ومُريح والعكس صحيح. والتجارب لا تُحصى ولا تُعدّ في هذا السياق.

بالنسبة إلى أوضاعنا اللبنانية تكفي نظرة إلى تطوّراتنا الأمنية اليومية لنتبيّن مقدار الأحداث والجرائم التي تنطلق من سوء الحال الإجتماعية وما يترتّب عليها وما يعقبها من حاجة وعوز وفقر.

لا نزعم أنّ الجرائم كلّها مرتبطة بالإقتصاد. إلا أننا نعرف أنّ إزدياد حوادث «التشليح» والسرقة والإعتداء على الناس، مُشاةً وفي وسائط النقل، ليس فقط مجرّد هواية أو تقليد جرمي. إنه تفلّتٌ يزدادُ تحت وطأة الأمن الإقتصاي المهزوز. فعندما يبلغ سعر عبوة حليب الأطفال مئة ألف ليرة، ماذا يُنتظر من الوالد الذي يرى طفله الرضيع يتضوّر جوعاً بين يديه؟ هل يؤمَل منه أن يقف متفرّجاً؟ وماذا عن حال العاجز عن شراء دواء؟ إلخ…

يحدث هذا في وقت نعرف أنّ البطالة ضاربة أطنابها خصوصاً بعد إفلاس الكثير من المؤسسات التجارية والصناعية والسياحية… وإلى ذلك لا يفوتنا أنّ عشرات آلاف الموظفين في القطاع الخاص لا تتجاوز مرتّباتهم الحدّ الأدنى للأجور الذي كان يتجاوز الأربعماية دولار شهرياً، فصار يوازي ستين دولاراً. وحبل هبوط العملة الوطنية فالتٌ على غاربه.

الأديب فؤاد سليمان تحدّث عن الجوع فاستهلّ مقاله بهذه العبارة: «ويلُهُ، ويلُ أمِّهِ، كم هو كافرٌ». وفي بلدان العالم المتقدّمة، من يثبُت أنه ارتكب جريمة تحت وطأة الجوع يُمنَح الأسباب التخفيفية.

بل إنّ الجوع، حتى في الشرائع السماوية، يُحرّم المُحرَّم ويُبيح المحظور. ذُكر في التوراة كيف أنّ النبي داود عندما جاع دخل الهيكل وأكل خبز التقدمة المُحظَّر عليه. وقد أوردت الأناجيل هذه الرواية في إنجيل مرقس 2/25-26 وإنجيل لوقا 6/4-1 وفي إنجيل متى 12/3. فقد قال السيّد المسيح: «أما قرأتم ما فعله داود حين جاع هو والذين معه، كيف دخل بيت الله وأكل خبز التقدمة الذي لم يَحِلّ أكله له ولا للذين معه». فإذا كان أحد أنبياء الله كسر قانوناً إلهياً وحلّل المُحرَّم بسبب الجوع، فماذا نتوقّع من الناس العاديين؟

لسنا وحدنا من يُحذّر من تداعيات الأزمة الإقتصادية. فثمة إجماع على أننا ما زلنا في البداية. فلنتخيّل ما سيكون عليه الوضع إذا تفاقمت الأزمة الإقتصادية، وهي ستتفاقم حكماً وخصوصاً أنها تترافق، في السبب والنتيجة، مع المأزق السياسي الكبير الناجم عن عدم تشكيل حكومة تكون حلاًّ، فلا تزيدُ في طين الأزمات بِلّةً!

خليل الخوري

khalilelkhoury@elshark.com

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.