شروق وغروب – بقلم خليل الخوري – بابا الفقراء والسلام: «يا لبنان .. قم»
يحار المراقب من أين يبدأ الكلام في هذه الزيارة الاستثنائية التي خص بها قداسة البابا لاوون الرابع عشر لبناننا، ليس فقط بحضوره المشع نوراً وقداسة، إنما كذلك بعاطفته النبيلة التي عبر عنها بكلامه وبابتسامته وأحياناً بدموع الفرح لما أظهره هذا الوطن الصغير المعذب من حب حقيقي تجاه الكرسي الرسولي والجالس عليه، واندفاعة صادقة نحو خليفة المسيح على الأرض.
لاوون الرابع عشر غادرنا وهو يدعو الى وقف القتل والأعمال العدائية، صارخاً من كل قلبه: «قم يا لبنان».
ولقد اختار أن يتفقد المتألمين ويشجعهم من خلال محطة دير الصليب حيث ذوو الأمراض العقلية. ولا سيما محطة زيارته المرفأ الذي لم يقتل تفجيره بيروت وحدها «بل لبنان كله».
بابا السلام لم يفته في محطاته كلها أن يذكر «اللبنانيين جميعهم»، معرباً عن إعجابه بهذه الفرادة التي يتحلى بها لبنان بين بلدان المعمورة كلها بتعدديته في الوحدة. وأعرب عن أسفه لأنه لم يتمكن من زيارة الجنوب والشمال والبقاع «بسبب ضيق الوقت».
ومن القضايا الأكثر أهمية هو، في تقديرنا، شعار هذه الزيارة، في الكلام الإلهي الذي قاله السيد المسيح في عظة الجبل: «طوبى لفاعلي السلام». فلم تخلُ أي من كلماته من تكرار لفظة السلام مراتٍ عديدةً منذ أن وطأت قدماه أرض المطار الى أن ارتقى درج الطائرة عائداً الى الفاتيكان، ففي خطاب المغادرة أعرب عن أن يجتمع الأفرقاء في الشرق الأوسط من أجل السلام، وأن يلتقوا على تحقيقه «مع الأشخاص الذين نعتبرهم أعداء».
فعلاً، تتعذر الإحاطة في هذه العجالة بأبعاد الزيارة التاريخية كلها، ولقد يكون مفيداً إلقاء نظرة سريعة على خلفية البابا الأميركي الأول في الفاتيكان، وبالذات في مرحلة أسقفيته في «البيرو». فنذكر، بلمحة سريعة جداً، أنه كان «أسقف الفقراء والضعفاء والمعوزين» بامتياز، كان يتفقدهم في أماكن إقاماتهم المتواضعة، ويأتي في سيارة بسيطة جداً يقودها بنفسه، ومن دون مرافقين، فيدخل منازلهم ويأكل مما يكونون قد أعدوه من طعام. وذات طوفانٍ انتعل جزمة مطاط وخاض غمار المساعدة في السيول والوحول. وكان يوفر المدارس لأولادهم. ومن أبرز إنجازاته انه كان يرسل فريقاً يبحث عن بنات الرصيف والنوادي الليلية من بائعات الهوى ويحضهن على ترك هذه «المهنة»، مقدراً أن معظمهن قادهن الفقر وضيق العيش وذات اليد الى ممارستها، فيوفر لهن المأوى والعمل الشريف.
وتبقى كلمة لا بد منها: لقد نجح لبنان في هذا الاختبار، وكانت كلمات الرئيس جوزاف عون في قمة البلاغة في المبنى والمعنى، وكذلك وُفّق البطريرك الراعي ومعظم إخوته رؤساء المذاهب في كلماتهم.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.