شروق وغروب – بقلم خليل الخوري – بيروت وبقرة شيكاغو

34

عرفت البشرية، في عصورٍ مختلفة، حرائق مروّعة أتت على مدنٍ كبيرة مثل حريق روما في القرن الميلادي الأول (64 م) وحريق طوكيو في القرن السابع عشر (1657 م)، وحريق شيكاغو في القرن التاسع عشر الذي اندلع في الثامن من تشرين الأول 1871 م، وسقط فيه المئات من القتلى ودمّر وسط المدينة كلياً. ويذكر معاصروه أنه انطلق من اندلاع حظيرة للبقر جرّاء ركل إحدى البقرات مصابيح الإنارة، ما إدى إلى تحطّم أحدها وسيلان مضمونه من النفط المشتعل وانتقال اللهب إلى العلف، فكان الحريق الضخم الذي أتى على تلك المدينة ذات الـ400 ألف نسمة.

ولقد اقتضى مرور 126 عاماً لتتم تبرئة البقرة وصاحبتها السيدة أوليري. فقد أصدر مجلس مدينة شيكاغو في العام 1997 حكماً ببراءتهما لعدم توافر الدليل.

والحريق الأحدث في تاريخنا المعاصر الذي أتى على مدينةٍ كُبرى كان حريق القاهرة في 26 كانون الثاني من العام 1952، وهو العام الذي سُجلت فيه أحداثٌ مصيرية في لبنان ومصر انعكست على المنطقة برمّتها. إذ شهد قيام ثورة «الضباط الأحرار»: محمد نجيب وجمال عبد الناصر ورفاقهما وسقوط الملك فاروق عن العرش، و»الثورة البيضاء» في لبنان التي أسقطت الرئيس بشارة الخوري، فخلفه الرئيس كميل شمعون.

ونعود إلى حريق القاهرة الذي التهمت نيرانه آلاف المحال التجارية والفنادق والنوادي والمكاتب والسينمات والشقق السكنية إلخ… وأدى إلى سقوط نحو 600 ضحية بين قتيلٍ ومُصاب وتشريد الآلاف. وقيل إنه كان مُدبّراً، إلا أن أحداً لم يستطع الجزم القاطع.

وأما دمار عاصمتنا بيروت جرّاء الانفجار المروّع في المرفأ، فالناس تأمل في التوصّل إلى كشف ملابساته الحقيقية، والأمر على همّة القضاء اللبناني الذي يُشاركه محققون أميركيون وفرنسيون.

وإذا كانت حرائق المدن الكُبرى لم يُعرف مُدبّروها الفعليون بشكلٍ حاسم، فإن ما أصاب بيروت من كارثةٍ رهيبة يُؤمل ألا يُترك تحديده إلى ذمّة التاريخ، فليس في بيروت بقرة متّهمة أو بريئة. ولنا ثقةٌ كبيرة بالمحقق العدلي الرئيس فادي صوّان الذي نعرف شخصياً من أي معدن أوادم وضمير حيّ يتحدّر.

خليل الخوري

khalilelkhoury@elshark.com

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.