شروق وغروب – بقلم خليل الخوري – تكنوقراط

118

العزف على وتر تشكيل حكومات اختصاصيين ليس جديداً في لبنان. إنها نغمة قديمة جداً تعود إلى ما قبل الحرب الملعونة التي ضربت لبنان منذ أواسط سبعينات القرن العشرين الماضي، واستمرت تداعياتها السياسية والديموغرافية والاقتصادية والمالية والتهجيرية والإفقارية والتجويعية (…) حتى اليوم.

وكان لحكومة الاختصاصيين مؤيدون بقوة، كما كان لها معارضون بشدة. ولعلنا ذكرنا، في غير عجالة سابقة، القول المقذع للرئيس المرحوم كميل شمعون الذي كان يسخر من هكذا حكومة، ومن إحدى تسمياتها، وهي «حكومة التكنوقراط»، فقال قولته الشهيرة، لاعباً على لفظة تكنوقراط: «يوم كنا خبراء بالقراطة وين كانوا هالقرطة»!.

ولقد أثبتت التجارب عندنا أن جماعة الاختصاصيين الناجحين في أعمالهم ليسوا مؤهلين، بالضرورة، ليكونوا ناجحين في المسؤولية القيادية السياسية والوطنية.

بل إن الدول الكبرى، التي تنصحنا بحكومة الاختصاصيين والتكنوقراطيين، هل تأتي بوزراء حكوماتها على قاعدة الاختصاص؟!.

وبالذات، وعلى سبيل المثال لا الحصر، هل أن وزيرة الدفاع الفرنسية هي خريجة كلية سان سير الحربية؟ وهل زميلتها الأميركية هي خريجة المعاهد الأميركية الحربية العليا؟

ثم، ألم نتعرف إلى وزراء خارجية، في الولايات المتحدة الأميركية وسواها، كانوا من الضباط الكبار، ولم تكن لهم أي علاقة بالديبلوماسية؟!.

الوزارة هي مسؤولية سياسية أولاً وأخيراً، وقبل أي شيء آخر، والشروط المؤهلة لتوليها أبرزها الاستقامة قبل أي اختصاص. فالعالم الخبير في نمو جانح الدبور، والمتفوق في هذا العِلم، ويحمل فيه أرفع الشهادات، هل يكون مؤهلاً ليعيّـن وزيراً للزراعة مثلًا؟

وإلى الاستقامة يُفترض أن يملك الوزير، في الوزارات كلها، خبرة في الإدارة، ومعرفة موجبات قيادة الناس، بالذات المرتبطين بوزارته.

أما لو كان معاليه آدمياً الى أبعد الحدود، وخبيراً محلّقاً ومتفوقاً في اختصاصه، ولكنه يجهل التعامل مع الناس، من ذوي الصلة بالوزارة، فستكون المحصّلة الخيبة والفشل الذريع…

ونأمل أخذ العبرة والدروس، وعدم الترداد الببغائي لشعارات قد تبدو برّاقة إلا أنها محكومة، غالباً، بالفشل متى وُضع صاحبها على المحك…

ونكرر أننا من تجاربنا الذاتية في لبنان، وتجارب الدول ذاتها التي ينصحنا كبار مسؤوليها بحكومات من اختصاصيين، بل يشترطون علينا ذلك ويتهددوننا ويتوعدون… إن لنا من هذا كله خير دليل.

khalilelkhoury@elshark.com

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.