شروق وغروب – بقلم خليل الخوري – زمن الهوان

49

تنهال المآخذ والإنتقادات على الطبقة السياسية في لبنان من كلّ حدبٍ وصوب. فلم يبقَ أحدٌ من الدول الشقيقة والصديقة ومسؤوليها إلا «بلّ يده» في هذه الطبقة، وقال فيها ما لم يقلهُ مالك في الخمرة. ولقد يكون المسؤولون الفرنسيون أبعد مدى بين من وجّه التأنيب والكلام الذي لا يمكن أن يُقال أقسى منه في اللغة الديبلوماسية، من الرئيس إيمانويل ماكرون إلى وزير خارجيته جان إيف لودريان إلى مساعدِيهما…

آخر ما صدر في هذا المجال إتّهامٌ صريح من الـ Quai d›Orsay، إذ اعتبر رئيس الديبلوماسية الفرنسية أنّ الأزمة في لبنان «ليست ناتجة عن كارثة طبيعية بل عن المسؤولين السياسيين».

ومضى يقول: «هناك أطراف سياسية في لبنان تضع مطالب تعجيزية». وبلغت اللهجة ذروة قساوتها إذ ختَم يقول: «إنّ القوى السياسية اللبنانية عمياء ولا تتحرّك لإنقاذ البلاد على الرغم من تعهّداتها».

من حيث المبدأ كنّا ولا نزال وسنبقى نرفض أي تدخّل في الشؤون اللبنانية وأيّ كلام تأنيبي يوجَّه إلى السياسيين من الخارج، رغم أنّ رأينا فيهم يتجاوز ما يُقال في الكلام الديبلوماسي. ولكن ما درجت عليه هذه الطبقة من الإمعان في الإستغلال والإستهتار والفساد لا مثيل له حتى في أكثر بلدان العالم تخلّفاً وفشلاً وفساداً.

قُيّض لنا أن نواكب، عن قرب، مسارات الكثيرين من رجالات السياسة في لبنان، في الزمن الجميل، إن في السلطة أو خارجها، ونُبادر إلى الإقرار بأنهم لم يكونوا ملائكة ولا أولياء أو قدّيسين. ولكنهم كانوا يؤثِرون مصلحة لبنان على ما سواها. وكانوا يصونون كرامة لبنان. وكان لديهم من الإعتزاز بوطنهم ما يدعو إلى الإحترام والتقدير. وكان هذا الوطن الصغير، في أيّامهم، محطّ أنظار العالم. كان فعلاً صلة الوصل بين الشرق والغرب، ورسول سلام حقيقي، كان طليعيّاً مُتقدّماً في الريادة على المحيط والإقليم من حيث الراحة والطمأنينة والإزدهار وبحبوحة الشعب.

أولئك الكبار جعلوا من هذا الوطن واحةً غنّاء بين الدول، كبيرها والصغير، عملتهُ صعبة مقبولة في مختلف أنحاء العالم مثل الدولار الأميركي. لم يكونوا يلهثون وراء المال كما جيل بعد الحرب الهجين الذي تولّى شؤوننا فبات الإنسان يُقاس بما في جيبه وليس بما في رأسه من قدرات وفكر وإبتكار.

لذلك، لسنا نلوم الآخرين الذين «يصفون» أهل السياسة عندنا بما يستحقّون من كلام (تكراراً، يؤلمنا من حيث المبدأ)، ولكننا نعرف أنه يُعبّر عن الحقيقة تجاه من لا يكتفون بالغرق في الفساد إنما أيضاً لا ينتجون إلا التلكّؤ والعجز والفشل.

خليل الخوري

khalilelkhoury@elshark.com

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.