شروق وغروب – بقلم خليل الخوري – زمن

41

كان البلد حماماً مقطوعة مياهه فأمسى، إلى ذلك، برج بابل. أي مسألةٍ أو قضية لا يتحدّث فيها الجميع، من يعرف ومن لا يعرف! والصنف الثاني أكثرية. فالكبير والصغير والمقمّط في السرير لهم آراء يطلعون بها علينا. الجميع خبراء في المال والأعمال، في الاقتصاد والسياسة، في الإعلام والإعلان، في المصارف والصيرفة، في «البنك نوت» والـFresh money، في سد بسري وسد النهضة، في تركيا واليونان، في ترامب وبايدن، في الداء والدواء، في الفيروس والوباء…

أي شيءٍ لا يتحدّث به اللبناني، ولو اقتُصر الأمر على السفسطة. ولا يكتفي بل يذهب إلى النقاش حتى المكاسرة.

والأنكى أنك ترى هذا يوجّه النصائح إلى جمعية المصارف، وذاك إلى مصرف لبنان، وذلك إلى الصرافين ورابع إلى الثوار وخامس إلى مجلس الأمن الدولي وربما إلى الجمعية العامة لهيئة الأمم المتحدة…

ومن يُمضِ وقتاً في مواجهة شاشات التلفزة، تصدمْه «كثرة الخبراء». وأي خبراء!

كيف نبت هؤلاء «الخبراء»؟ في أي قفةٍ نزلوا؟ ومن أي غيمةٍ زرقاء؟ ولو عدّدناهم لاكتشفنا أنهم بالآلاف، ما شاء الله! لدرجة أنهم باتوا، في ظننا، (وسوء الظن من حسن الفطَن) «خبراء» ترتجلهم الأزمات.

وأما المستشارون فحدّث ولا حرج. إنه زمن الخبراء والمستشارين بامتياز. وباستثناء قلة قليلة ترى أن «المستشارية» باتت وظيفة ولم تعد رأياً وفكراً ونصيحةً. وبدلاً من أن يكون المستشار لِيُشير بالتي هي أحسن، بات ينطق بلسان معلّمه ويدافع عن «أفكاره» (بلا زغرة) حتى لو كانت لا تركب على قوس قزح كونها لا تدنو من الفكر بشيء. وطبعاً يفعل ذلك بالتي هي أسوأ.

كيف نبت هؤلاء كالفطر في صحراء؟

وعلى سيرة الصحراء، فإننا في زمنٍ قاحل. إنه زمن القحط. زمن السنوات العجاف.

لقد ولّى الزمن الجميل إلى غير رجعة.

زمن الفن الجميل. زمن الإبداع. زمن السياسة الجميلة. زمن الديبلوماسية الجميلة. زمن القضاء الجميل. زمن الشعر الجميل. زمن الوطن الجميل (…). الوطن الذي كان واحةً فغمرته الرمال. وكان منارةً فخيّمت عليه العتمة. وكان وطن الحب والمودة والتسامح والعافية لتسقط تلك كلها فيهيمن الحقد وتتحكّم البغضاء بالقلوب السوداء.

الله الله يا دني

خليل الخوري.

khalilelkhoury@elshark.com

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.