شروق وغروب – بقلم خليل الخوري – مأساة الودائع أيضاً وأيضاً

85

قال صديقي، وهو أحد الأنسباء كذلك، أنه يملك وديعتين بالدولار الأميركي في فرعين لأحد المصارف، الوديعة الأولى وقيمتها (600000) ستماية ألف دولار في الفرع الرئيس للمصرف، والثانية وقيمتها (100000) مئة ألف دولار في أحد فروع المصرف ذاته انطلاقاّ من قرب هذا الفرع لدارته، اذ بين البيت والفرع المشار إليه بضعة أمتار، أي مجرّد عرض أحد الشوارع الداخلية في المدينة. الوديعة الأولى على حسابه الخاص، والثانية كناية عن حساب مشترَك (و/أو) مع زوجته، والهدف منه تسهيل تعامل الزوجة مع الوديعة.

دارت أيام كورونا و «الثورة» المشبوهة دورتها وتعرّض صاحب الوديعتين الى ضائقة مالية حادّة مثل الكثيرين من الناس في هذا البلد المنكوب الذين طاولهم الانهيار والأزمة المالية المعقدة وأياديهم غير طائلة أموالهم. وأصيب الرجل بداء عضال وقرّر أن ينتقل الى خارح الوطن للاستشفاء وما أمكن من الاستجمام. والمؤلم أنه قد تعذر عليه الحصول على بعضٍ من أمواله، بالرغم من أنه عبثاً كان يحاول مراراً وتكراراً، ولكن من دون نتيجة. فخطر له أن يتقدم من المصرف بعرض ربما لم يسبقه إليه أحد. فتهالك على نفسه، واتكأ على سنوات عمره وأوجاع مرضه وقصد المصرف، وقد استغرق تحديد الموعد بضعة أسابيع، وقال للمسؤول: أنت تعرف سوء أحوالي المالية ناهيك بالصحية، ولأنني أعرف الظروف العامة وأدرك حساسياتها جئتُ أعرض عليكم الاقتراح الآتي: اعطوني وديعة المئة ألف دولار وأتنازل لكم خطياً، وعند الكاتب العدل إذا شئتم، عن وديعة الستماية ألف دولار.

وقبل أن أسأله عن الجواب الذي يُفترَض أنه تلقاه، توقف هنيهة وقال: أود أن أُشير الى أنني لم أكن أبني أملاً عريضاً، ولكنني حاولت. ثم أضاف وقد بدا عليه الإعياء الشديد: أبلغ إليّ المسؤول أنه سيأتيني بالجواب، في خلال أسبوعين، بعد أن يكون الاقتراح قد بُحِث جدّياً على أعلى المستويات في المصرف. وبعد وقت غير قليل جاءه الجواب بالرفض.

النسيب الصديق ضاقت به الدنيا ولم يستطع أن يجد سبيلاً الى المال سوى أنه وجد نفسه في أنياب أحد المرابين الذي لجأ إليه بواقع الضرورة راهناً عنده دارته الفخمة مقابل ربع قيمتها في السوق، ووضّب حقيبته و «شمّع الخيط» متوجهاً الى أحد بلدان الله الواسعة، وهو واثق بأنه خسر «الفيلا» (فوق أمواله)، وأنه لن يٌكتَب له أن يُدفَن، عندما يحين الأجل، في البلَد الذي أحبّ، وهو الذي جاهد في الاغتراب وحقق نجاحاً وعاد الى لبنان، ليرجع مجدّداً، وفي أرذل العمر، الى الخارج، محبَطاً حزيناً، ولينعم الفاسدون والزعران بجنى عمره.

khalilelkhoury@elshark.com

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.