شروق وغروب – بقلم خليل الخوري – ولم يشبعوا بعد

69

هل ما وصل إليه لبنان، اليوم، هو قدرٌ؟ وهل أنّ صعود لبنان كان مُصادفة وفاصلة زمنيّة غير مُرتكِزة إلى أسس ثابتة، كي نصل إلى قعر الهاوية؟ هل هذه حالنا الطبيعية، بينما زمن الإزدهار والبحبوحة كان شواذ القاعدة؟

نُعارض هذه النظرية بشدّة. فعندما بُني لبنان على الديموقراطية في هذه المنطقة من العالم، كان الآباء المؤسّسون أصحاب رؤية وقرار وفهم عميق. فخاضوا التجربة بصدقٍ وإقتناع وبما يُشبه الإلهام. توصّلوا إلى النموذج اللبناني (الذي كان)، فأنشأوا وطناً قائماً على المساواة والقيَم.

نجحت التجربة اللبنانية طوال عقود متفوّقةً على مُحيطها في أنها أوجدَت أرضيّة ملائمة للكرامة الإنسانية وللمنافسة ولحقوق الإنسان…

إلى أن قامَت دولة ياسر عرفات مُستنِدة إلى السلاح الذي منحه إتّفاق القاهرة (سيّىء الذكر) شرعيّة لا يستحقّها، ولم يكن من حقّ أحد أن يمنحها.

أدّى إنفلات السلاح الفلسطيني (طريق فلسطين تمرّ في جونيه) إلى تهديم التجربة الفذّة، فسقطت تدريجاً خصوصاً طوال حرب الخمسة عشر عاماً (1975 – 1990) ليسقُط ذلك اللبنان ومعه دور العاصمة بيروت الذي أخذَته، بحكم المصالح والضرورة، مدنٌ في المنطقة ولكنّها بقيَت مُقصِّرة عنه ولو بدَت رافِلةً بثوب ناطحات السحاب. وكانت الهجرة الواسعة إلى بلدان الخليج العربيّة وأستراليا وكندا وبلدانٍ أفريقيّة وهي بمثابة السيف ذي الحدّين: الحدّ الإيجابي تمثّل بالأموال والرساميل التي ورَدَت إلى البلد، والحدّ السلبي بهجرة الكفاءات والمهارات الشابة.

إلا أنّ الخطيئة الكبرى، بعد الحرب، أنّ شؤون البلد أوكِلَت إلى الميليشيات التي كانت وراء المآسي والفواجع، وفي ظلّ قوّات ردع أُريدَ لها أن تكون، كما إسمها، عربيّة شاملة، فتحوّلت إلى قوّات سوريّة وحَسب رَعَت الفساد وعمَّمت الإرتكابات وأطاحَت القيم والمبادئ والديموقراطية.

والأخطر أننا بتنا في رعاية جيل من السياسيين الذين لا علاقة لهم بلبنان وفلسفة كيانه إلا من حيث يعتبرونه بقرةً حلوباً جفّوا ضرعَها ونهَشوا لحمها وجرَموا عظمها… ولم يشبعوا بعد.

خليل الخوري

khalilelkhoury@elshark.com

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.