شروق وغروب – بقلم خليل الخوري – Mission possible

52

في حمّى لهيب الكارثة، أتتنا نسمةٌ منعشة من قصر الإليزيه تمثّلت بالمهمة الاستثنائية التي ندب نفسه لها خليفة شارل دي غول وفرنسوا ميتران وجاك شيراك. أولئك العمالقة الذين سبقوا إيمانويل ماكرون إلى سدة الرئاسة في بلد «الحرية والمساواة والأخوّة». هذا الشعار الثلاثي الذي رفعته أعظم ثورة في تاريخ البشرية قبل نحو قرنين ونصف القرن.

سيُكتب ويُقال ويُنشر ويُبث الكثير الكثير عن هذه المهمّة التاريخية لماكرون الذي حمل على كتفَيه أعباء تاريخٍ عميق من الصداقة وطيب العلاقة بين لبنان وفرنسا، ما لم ينقطع مرةً بالرغم من التحولات المهمة التي ضربت العالم كله في المراحل المتعاقبة. إن أهم ما يُمكن أن يقال في هذه الزيارة هو اقتباس المثل السائر: «وفي الليلة الظلماء يُفتقد البدر». وقد هلّ الهلال مع ماكرون وفي يده إثنان: غصن الزيتون وعصا غليظة لوّح بها أمام الجميع قائلاً لهم بالفم الملآن:

1- أنتم كلّكم، يعني كلّكم، مسؤولون عمّا وصل إليه وطنكم من كوارث ونكبات.

2- أنتم، جميعاً، مدعوون إلى ترك حزازاتكم، وأنانياتكم، ومصالحكم الذاتية والالتفات إلى مصلحة لبنان العليا، والبداية بالحوار والتوافق على حكومة وحدة وطنية لأن الأزمة أكبر وأخطر من أن يتصدى لها فريقٌ واحد.

3- أنتم مدعوون إلى حل أزمتكم بأيديكم. والمطلوب تغيير أسلوب التعاطي السائد عندكم.

4- أنتم مدعوون إلى مكافحة الفساد جدياً وتحقيق الإصلاح الحقيقي، وليس بالحكي، من أجل تغييرٍ عميق.

5- إن المبادرة الفرنسية ليست «شيك على بياض»، إنما هي رهن إصلاحٍ حقيقي.

6- آمل أن ألمس، عندما أعود في الأول من أيلول المقبل للمشاركة في مئوية لبنان الكبير، أنكم بدأتم في وضع القطار على السكة. (…)

أكثر ما يلفت في المهمة النبيلة للرئيس الفرنسي هي أنه جمع القوم في قاعةٍ واحدة وعلى طاولةٍ مستديرة فلا يغتاب أحدهم الآخر ولا يتذاكى البعض، ومن لديه كلام فليقله مباشرةً وليس عن طريق الهمس أو النميمة.

شكراً ماكرون. شكراً فرنسا. وعلى أمل أن تكون المبادرة قابلة للتنفيذ وليست «مهمة مستحيلة» (mission impossible) بـ»فضل» القوم عندنا الذين يُخشى أن ينطبق عليهم المثل السائر الآخر: «دق المي… مَي».

خليل الخوري

khalilelkhoury@elshark.com

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.