صليبا لـ «الشرق»: فَلْتبق الأمور على حالها ويشرح واقعية التمديد للمجالس البلدية في لبنان

37

كتبت ريتا شمعون:

الشرق – لعل العنوان العريض غير السياسي والامني للمرحلة الراهنة في لبنان هو انتظام العمل في الإدارة العامة وبغض النظر عن الأسباب التي أدت الى هذه الفوضى، او الأسباب التي تعمل على استمرار عدم الانتظام هذا، فإنه يمكننا القول ان واقع الإدارة العامة في لبنان بحاجة الى معجزة تحويلية «Transformational Miracle» نخرج بها ليس بإصلاحات ومحاولات ترقيعية، وانما ببناء جديد كلياً على كافة الصعد؛ تشريعياً، وتنظيمياً، وإجرائياً، والأهم بشرياً. وعلى صعوبة مقاربة ملف الإدارة العامة بشكل شامل في هذا الوقت من تاريخ لبنان – وربما في المستقبل ايضاً – فإن احد أعقد المحاور التي ستتعامل معها العملية التحويلية هو محور اللامركزية الإدارية. فبالرغم من توفر العديد من مقومات اللامركزية الإدارية في لبنان وانما، كمعظم المسائل في البلد، غالباً ما تصطدم عملية تطبيق هذه المقاربة بهواجس لبنانية. فهناك الهاجس التقسيمي، وهاجس الاستغلال السياسي -الانتخابي، وهاجس الفساد والهدر، وهاجس ضياع المسائلة، وغيرها من الأفكار التي يمكن ان نجدها فقط في البلدان التي اضاعت بوصلة دور الدولة في العقد الاجتماعي، فتحولت من خادمة للشعب الى مستغلةً له ولمقومات الوطن.

وحتى لا نغوص أكثر في التحليل للوضع اللبناني المتردي على كافة الأصعدة، فإننا نهدف أن نركز على موضوع هام مرتبط مباشرة بعملية انتظام الإدارة العامة، وتأدية الدولة لدورها الخدماتي تجاه المواطنين، وهو البلديات حيث أعلن البرلمان اللبناني تأجيل الإنتخابات البلدية والإختيارية لعام 2025 بعدما كان إجراؤها مقررا في الشهر الجاري، وذلك للمرة الثالثة خلال عامين.

كيف سينعكس هذا التأجيل على مصالح المواطنين خصوصا أن البلدية هي السلطة الباقية لتسيير شؤون اللبنانيين؟

يجيب عن هذا السؤال لجريدة  «الشرق» الباحث والكاتب في مجال الإقتصاد الإجتماعي شارل صليبا قائلاً: تعتبر البلديات من أهم آليات تطبيق اللامركزية الإدارية في لبنان، وهي – أي البلديات – أساس اللامركزية الإدارية في نظرية تنظيم الدولة، لأنها تسهل حياة المواطن، وتفعِّل الكلفة، وتسرِّع القرارات. بالإضافة الى انها تساهم في تطوير نظام سياسي مدني يتمحور حول خدمة المواطنين تحت مظلة العقد الاجتماعي وبرعاية القانون. وبالرغم من كافة التحديات التي واجهها ويواجهها لبنان، فإن البلديات لعبت دوراً أساسياً في التطوير والتنمية المحلية خصوصا بعد اتفاق الطائف وبعد منحها هامشا كبيرا من القدرة على اتخاذ القرار في الصرف بهدف التحسين والتجميل والصيانة وغيرها على المستوى المحلي. كذلك، فإن البلديات والى حد ما، عملت على ترسيخ الممارسة الديموقراطية في لبنان. ولو أن العديد منا يرى أن هذه الممارسة مليئة بالشوائب والتلاعب السياسي والمالي، فإن المجالس البلدية في الكثير من القرى والمناطق اللبنانية، ساهمت في التأسيس لانطباع إيجابي حول إمكانية نجاح اللامركزية الإدارية على صعيد الوطن. وحتى اليوم، ما زالت البلديات تلعب دوراً في الحفاظ على شيء من الانتظام بالرغم من كل المصاعب المادية، والسياسية، والتنظيمية، والأمنية التي تواجهها. وفي هذا لاطار، يؤكد صليبا، أن قرار التمديد للمجالس البلدية لم يطالعنا بشيءٍ جديد حول المقاربة التقريرية للقيمين على الدولة؛ مقاربة على القياس وحتى لا ندخل في مناظرة عقيمة حول صحة هذا القرار أو عدمها، فإننا نقول ان الامر على الأقل كان متوقعاً. وبكل موضوعية، فإن تنظيم انتخابات بلدية في ظل الأوضاع الراهنة، حتى وإن كان ممكناً من الناحية القانونية والإجرائية والتنظيمية (في غياب رئيس للجمهورية، وتكريس سلطة الامر الواقع لحكومة تصريف اعمال)، فإنه لم يكن ليغير واقع الحال. فالدولة مازالت في طور الشفاء من الانهيار المالي الذي احدثته الممارسات الريعية، والفساد السياسي والإداري والمالي والمصرفي في البلد. وعليه فإنها لن تقدر على توفير الدعم اللازم للمجالس البلدية الجديدة، لا بل فإن البلديات – ونظراً لوضع المواطنين المادي – لن تقدر على دعم الدولة في هذه المرحلة، حتى أن المؤسسات الدولية غائبة عن الدولة ومعظم مساعداتها مشروطة بأمور حساسة تصل الى حد المس بالسيادة. أما السواد الأعظم من المواطنين فهو منهك متعب مكسور مهموم يسعى الى لقمة عيشٍ لا يعلم اذا كان سيحصل عليها في آخر النهار. فضلا عن الحرب الدائرة في المنطقة وتداعياتها على إمكانية تنظيم انتخابات على مستوى الوطن. زد على ذلك انه وبغض النظر عن كل هذه الأسباب، يرى صليبا أن الملف السياسي في البلد في حال خلط أوراق، والحابل داخل بالنابل لناحية التحالفات والتفاهمات والترتيبات. وكلنا نعلم أن الجهات السياسية في لبنان تحسب خطواتها بدقة ولا تدخل في أي لعبة محلية الا اذا كانت مدروسة ومضمونة. لذلك فلنقل ان الحسابات السياسية لكافة الافرقاء أظهرت انه في المرحلة الراهنة للبلد، لا يمكن ضمان النتائج، إذن فلنبقِ الأمور على حالها على مقولة «الي منعرفوا افضل من الي منجهلو» وكي نبقى في حيز الواقع والواقعية في معالجة هذا الموضوع، فإن أي توصيات يجب ان توجه مباشرة للمجالس البلدية التي – وبعكس مؤسسات الدولة – ما زال لديها هامش مناورة يمكن أن تستغله للحفاظ على أقل قدر من العمل المحلي والحفاظ على شيء من الانتظام العام الذي اشتاق البلد اليه. ورفع صليبا، مجموعة من التوصيات للمجالس البلدية لعلها تساهم في دعم العمل البلدي خلال هذه المرحلة:

  1. وضع وتطبيق خطة عمل للعام الممدد له تركِّز على الأولويات التي تحتاج اليها المنطقة او القرية والسعي مع الجهات المناسبة لتوفير التمويل اللازم لهذه الأولويات.
  2. إعادة تموضع المجالس البلدية كمرجعية إدارية وتنظيمية في المناطق والقرى. وينطوي هذا الامر على التواصل والتعاون بين البلديات وكافة الجهات والفاعليات الناشطة على الأرض بما فيها الفاعليات السياسية والدينية والمدنية.
  3. التعاون مع المرجعيات الأمنية للتنسيق والحصول على الدعم في إدارة الملفات المحلية من امن، ونظام، وتطبيق للقوانين، وخصوصا في ما يتعلق بالنازحين.
  4. تفعيل الجباية لتأمين مصادر التمويل اللازمة لخطة العمل المرحلية. وهنا يجب الاخذ في الاعتبار الوضع المادي للمكلفين وقدرتهم على تحمل الرسوم البلدية، ودور البلدية في تسهيل هذا الامر عليهم.
  5. وضع خطة تواصل مع المواطنين للتركيز على دور البلدية في خدمتهم مع التأكيد ان البلديات ما زالت المرجع الأساسي لكافة شؤون الإدارة المحلية وتطبيق القوانين والمهام المناطة بها.
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.