عسكرة البحر المتوسط.. عن أي شيء تبحث أساطيل الجيوش؟

18

لم تبدأ قصتنا اليوم، فعلى مر التاريخ عرف البحر الأبيض المتوسط أحداثا كبيرة حددت مصير المنطقة، فالدولة التي تسيطر عليه تسيطر على أهم الممرات التجارية وعليها أن تحمي نفسها جيدا، وإذا خسرت نفوذها فيها فعليها أن تنتظر قدوم الأعداء إلى عقر دارها.

ولأن معادلة القوة تتغير من زمن  سيادة الفاطميين والعباسيين  ولاندلس الى زمن الغرب  الاوروبي والاميركي  فاننا نقف عند أبرز المحطات واللاعبين فيه، نبحث فيها عن إجابات حول أسباب سعي الدول الكبرى اليوم للسيطرة عليه؟ عن ماذا يبحثون؟ ولماذا كل هذه الأساطيل البحرية؟

 

المحطة الأولى: تركيا واليونان

خلاف قديم بين قبرص التركية واليونانية وصل ذروته بعد اكتشاف غاز المتوسط، حيث تعتبر قبرص التركية أن ثروات الجزيرة هي ملك لجميع أبنائها.

إلا أن قبرص اليونانية كان لها رأي آخر تماما وقامت بالانتهاء من ترسيم حدود منطقة اقتصادية خالصة لها، تمكنها من استغلال ثروة الغاز بشكل أحادي في عام 2010.

فقد رفضت تركيا الاعتراف بكل الاتفاقات التي قامت بها قبرص اليونانية مع مصر وإسرائيل ولبنان، خاصة أنها تعتبر المنطقة الاقتصادية الخالصة التي حددتها قبرص اليونانية متداخلة مع الجرف القاري التركي ومع المنطقة الاقتصادية الخالصة التابعة لها.

كما أعلنت أنقرة أخيرا تنفيذ أعمال تنقيب عن الغاز في مياه شرق المتوسط، مما أثار انتقادات شديدة من قبل اليونان والاتحاد الأوروبي ومصر.

 

المحطة الثانية: مصر

حذرت القاهرة من استمرار أنقرة بأعمال التنقيب في المتوسط، وهددت بأن الرد سيكون عسكريا، وطفا على السطح صراع تركي مصري على الغاز الموجود هناك، الأمر الذي حدا بالرئيس التركي رجب طيب أردوغان للجوء إلى حلف شمال الأطلسي (الناتو) لتأمين نشاط بلاده في المنطقة.

وكان من اللافت قيام مصر أخيرا بتطوير قواتها البحرية المصرية، وقيامها بصفقة لشراء أربع غواصات ألمانية عملاقة، لتضع جزءا منها في مياه المتوسط، وهي واحدة من أحدث وأقوى غواصات الديزل على مستوى العالم من إنتاج شركة «تيسين كروب» الألمانية.

فيما أعلنت أخيرا عن تنفيذ القوات البحرية المصرية والفرنسية تدريبا بحريا عابرا بنطاق الأسطول الشمالي في البحر المتوسط.

 

المحطة الثالثة: إسرائيل

1 Banner El Shark 728×90

كانت لحظة اكتشاف الغاز في البحر المتوسط لحظة مفصلية ونقطة تحول بالنسبة لإسرائيل، وأصبحت ترى العالم من منظور مختلف وتسعى لربط كامل الاحتياطيات وتصديرها.

وكما هي الحال في تركيا وقبرص، كان لبنان وإسرائيل يعيشان حالة مشابهة في مياه المتوسط، فالبَلدان لم يقوما بترسيم حدودهما المائية، كما أن إسرائيل لم توقع على معاهدة الأمم المتحدة لقانون البحار، وتعتبر أن هناك أجزاءً منه تقع ضمن المنطقة الاقتصادية الخالصة التي رسَّمها لبنان.

لبنان يرفض هذه المزاعم تماما، كما أنه يرفض اتفاق الترسيم الذي تم بين قبرص وإسرائيل ويعتبره غير قانوني ولا يعول عليه، ولأن لحزب الله وجودا قويا في الجنوب اللبناني فيعتبر التهديد الأكبر الذي قد تواجهه إسرائيل هناك خصوصا وأنه هدد بضرب منصات استخراج الغاز الإسرائيلية بشكل صريح.

ولذلك عملت الحكومة الإسرائيلية على تعزيز القدرات العسكرية لبحريتها، وتعاقدت لشراء ثلاث غواصات من الولايات المتحدة، كما تعمل على تطوير قدراتها الصاروخية البحرية، بالإضافة لاستيراد أربع سفن حربية، لضمان أقصى حماية ممكنة للطاقة في المتوسط.

 

المحطة الرابعة:

روسيا.. أميركا.. الصين

روسيا تنبهت إلى أن الأوروبيين يسعون بكل ما أوتوا من قوة للخلاص من الاعتماد الكبير على مصادر الطاقة الروسية، وباتت أنظارهم متوجهة إلى الشرق الأوسط أكثر من أي وقت مضى، فقررت أن تستدرك الأمر فورا.

فقد حازت روسيا على حقوق تنقيب النفط والغاز في البر والبحر السوريين، وعززت ذلك باستئجارها لقاعدة طرطوس البحرية لـ 49 عاما وكثفت من وجودها العسكري فيها، كما يوجد جزء من أسطولها البحري فيها.

أما أميركا -منذ عهد الرئيس الأميركي باراك أوباما- فقد حطت أنظارها على موارد الغاز في المتوسط، وحرصت على تعزيز وجودها هناك، ونشرت شركات استكشاف وتنقيب أميركية على سواحله.

ترامب لم يختلف كثيرا عن أوباما، فقد تم رفع التعزيزات في عهده في الفترة الزمنية ذاتها التي عززت فيها روسيا وجودها العسكري في البحر المتوسط، فإذا كان أوباما قد أوعز للمدمرات الأميركية المنتشرة في شرق البحر الأبيض المتوسط بألّا تبرح مكانها، فإن ترامب قام بزيادة الأسطول الأميركي هناك.

والصين كذلك، إذ لم تعد البلدان المطلة على البحر المتوسط وشركاء أوروبا وأميركا وروسيا أصحاب المصلحة الوحيدين بالمتوسط، فبكين اليوم في مقدمة هذه القوى وتشارك في صناعة الطاقة وغيرها من قطاعات الاقتصاد.

وعندما نفذت الصين مناورات عسكرية في البحر الأبيض المتوسط ​​إلى جانب روسيا للمرة الأولى، شعر المجتمع الدولي بالذهول بسبب الظهور المفاجئ للقوتين في الأراضي الأوروبية بين ليلة وضحاها.

ليس هذا فحسب، فقد أصبحت الصين المستثمر البارز في البنى التحتية للموانئ المطلة على البحر المتوسط، أبرزها في ميناء بيرايوس، أكبر ميناء في اليونان وواحد من أكبر الموانئ بالبحر المتوسط، وآخرها ميناء طرابلس بلبنان.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.