على حافة الهاوية.. هل يُوجِّه ترامب ضربة عسكرية لطهران قبل رحيله؟

55

في (نيسان) لعام 2018، وقف رئيس الوزراء الإسرائيلي «بنيامين نتانياهو» مُستعرِضا مجموعة وثائق وصفها بالسرية عن مشروع «آماد» الإيراني للتسلح النووي الذي انتهى عام 2003، وهو مشروع حصلت الموساد على وثائقه ضمن عملية حازت بها على جزء لا بأس به من وثائق الأرشيف النووي الإيراني، وقد حاول نتانياهو مع عرضه وثيقة تلو الأخرى على شاشة ضخمة في عرض تلفازي قلما نشهده على المستوى السياسي أن يحث المجتمع الدولي على اتخاذ إجراءات أكثر صرامة ضد برنامج إيران النووي، مُدَّعيا أن برنامج التسلح لم ينتهِ بإغلاقه في العام المذكور وأنه ما زال مستمرا لحينها، وفي خضم عرضه للتدليل على المخاطر التي تُحدق بالعالم جرَّاء ذلك؛ عرض نتانياهو صورة فوتوغرافية لعالِم إيراني قدَّمه على أنه المسؤول الأول عن مشروع «آماد» (معنى الاسم الأمل)، ثم قال بوضوح مُوجِّها خطابه للعالم: «تذكّروا هذا الاسم: فخري زاده».

آنذاك، لم يكن معظم العالم يعرف الشيء الكثير عن العالِم الإيراني الغامض، لكنّ الإسرائيليين عرفوه بقيادته لبرنامج «الأمل»، ووثَّقوا وجوده على أنه الأب الروحي لبرنامج الأسلحة النووية لطهران، وضع جعل الفيزيائي الإيراني هدفا لجهاز المخابرات الإسرائيلية «الموساد»، ولوكالة المخابرات المركزية الأميركية (CIA)، لسنوات عديدة سابقة، وبعد عامين من إعلان نتانياهو عن وجوده أثناء عرضه الخاص، وتحديدا في 27 من (تشرين الثاني) المنصرم اغتيل زاده (59 عاما) في منطقة دماوند بوسط طهران، وهي عملية تمت بشكل أقرب للسينما منها للواقع، حيث فُجِّرت سيارة أخرى قبل أن يتولّى مدفع آلي يُوجَّه عن بُعد مهمة قتل زاده بعد إطلاق للنار من قِبَل مجهولين على حُرّاسه الشخصيين.

أُثيرت في الأيام السابقة الكثير من التكهنات حول وقوع عملية الاغتيال هذه الأيام بالتحديد، وبينما احتفت إسرائيل بمقتله، أو ما وصفه الصحافي الإسرائيلي المخضرم يوسي ميلمان بأنه «ضربة نفسية ومهنية لإيران»، فإنه لا يمكن تجاهل ما في تلك العبارة والاحتفاء من مبالغة وأهداف سياسية أبعد من الاغتيال المجرد، فقد كان دور زاده في البرنامج النووي الإيراني الحالي ومفاعلاته وتخصيب اليورانيوم أقل أهمية بكثير من دوره في برنامج «آماد»، وقرأ معظم المحللين والصحف العالمية هدف العملية الرئيس على أنه تعقيد عملية استئناف الاتفاق النووي من قِبَل الرئيس المنتخب «جو بايدن» وإدارته إلى أقصى حدٍّ ممكن.

قبيل اغتيال زاده بثلاثة أسابيع تقريبا، الثامن منتشرين الثاني الماضي، فرضت الإدارة الأميركية عقوبات على «مؤسسة مستضعفان» التابعة للمرشد الأعلى علي خامنئي، وثاني أكبر كيان اقتصادي بعد «شركة النفط الوطنية الإيرانية» في البلاد، وفي الوقت نفسه لحقت بركب العقوبات الأميركية العشرات من الكيانات والأفراد الإيرانيين، حيث اعتادت إدارة ترامب منذ وصولها للبيت الأبيض مطلع عام 2016 على تنفيذ حزمة جديدة من العقوبات بحق طهران كل بضعة أشهر، وهي إستراتيجية عُرِفت باسم «أقصى ضغط».

لا تتحرّك تل أبيب في المعتاد إلا بضوء أخضر أميركي كما أسلفنا، وقد كان ذلك الخط الأميركي العسكري واضحا في صورة إقالة «ترامب» لمارك إسبر من منصب وزير الدفاع وبعض كبار مسؤولي البنتاغون ووكالة الأمن القومي، وهو أمر غير مألوف في الأسابيع الأخيرة لأي رئيس أميركي منتهية ولايته، واستبدالهم بآخرين ممن لديهم سجل مؤكد فيما يخص التعامل مع إيران عسكريا، وكان واضحا كذلك في وصول مسؤولين أميركيين بكثافة للمنطقة لإجراء محادثات مع قادة معسكر الدول المناهضة للنظام الإيراني وعلى رأسها إسرائيل والسعودية، حيث ترى الأخيرتان أن وقت رحيل ترامب بمنزلة فرصة أخيرة يتعيّن استغلالها لأقصى درجة لفرض الأمر الواقع على إدارة بايدن وغل يدها قدر المستطاع في التعامل مع الإيرانيين، فيما يريد ترامب على ما يبدو ترك هدية لنتانياهو قبل رحيله وترسيخ إرثه كونه رئيسا «عاقب الإيرانيين بقسوة»، ويريد أيضا ترك فوضى حقيقية لبايدن تجعل الطريق إلى أي حلول دبلوماسية أو معتدلة مع إيران بالغة الصعوبة والتعقيد.

ومع رئيس مثل ترامب فإننا أصبحنا نعرف الآن على الأرجح أن تلك الفوضى قد تتسع لما هو أكثر من الحادث حاليا، وقد تواردت أنباء عن أن ترامب طلب قائمة خيارات عسكرية متاحة للتعامل مع طهران من مستشاريه العسكريين والديبلوماسيين، وقد ذكر تقرير لموقع «أكسيوس» الأميركي أن الجيش الإسرائيلي يستعد لاحتمالية شن هجوم أميركي على إيران خلال فترة حساسة للغاية لانتقال السلطة في واشنطن، وأضاف التقرير أن الحكومة الإسرائيلية أصدرت تعليمات للجيش بالاستعداد ليس بسبب أي معلومات استخبارية أو تقييم بأن ترامب سيأمر بمثل هذه الضربة مثلا، ولكن لأن كبار المسؤولين الإسرائيليين يتوقّعون فترة حساسة للغاية قبل تنصيب بايدن في 20 كانون الثاني المقبل.

وتأتي المخاوف الإسرائيلية على خلفية رد الفعل المُتوقَّع حال وقوع هجوم أميركي جوي أو بحري على أهداف إيرانية، حيث سيلجأ الإيرانيون على الأرجح لضرب أهداف إسرائيلية، وأميركية في العراق، وقد وجهت إيران بالفعل أذرعها في جميع أنحاء المنطقة مطالبة إياهم بأن يكونوا في حالة تأهُّب قصوى مع إظهار حرصها على تجنُّب إثارة التوترات مع واشنطن، وهي توترات لا تريد طهران أن تعطي بها ذريعة لإدارة ترامب يشن بها هجمات في الأسابيع الأخيرة لها في البيت الأبيض.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.