عماد الدين أديب في مقابلة مع طارق الحميّد: نحن اليوم أمام نظام دولي جديد وعلينا أن نضبط أنفسنا في وجه الإستفزاز الإسرائيلي

44

أجرت قناة “العربية FM” من خلال الزميل طارق الحميد في برنامج “وقت السياسة” لقاء مع الإعلامي المصري الكبير عماد الدين أديب…

الزميل الحميد بدأ اللقاء بتوجيهه سؤالاً يشغل أفكار المحللين والمتابعين هذه الأيام.. وهو قضية حجز بعض القنابل الأميركية عن إسرائيل… فهل الخلاف الظاهر بين الولايات المتحدة وإسرائيل هو خلاف استراتيجي أي دولة تخالف دولة، أم أنه خلاف شخصي بين جو بايدن وبنيامين نتانياهو؟

قال أديب: هذا السؤال يحتاج الى حلقات، إذ ان كل نقطة فيه بحاجة الى حلقة كاملة…

النقطة الأولى: هل الخلاف بين بايدن ونتانياهو موضوعي أو آني، أم ان هذا الخلاف ناتج عن وحشية إسرائيل وممارساتها، أو هو تعارض في مصالح الطرفين؟

النقطة الثانية: مدى دقّة أو خطورة هذا الخلاف… إذ إنّ الأمر يبدو حتى الآن مجرّد خلاف موقت حول حجز قنابل ثقيلة الحجم والتأثير والتدمير… وليس الأمر خلافاً في الجوهر، لأنّ الدعم الأميركي استمر أكثر من سبعة أشهر في قتل مدنيّي غزّة وهدم بنيتها التحتية ومؤسساتها.

النقطة الثالثة: لو كان القرار جدّياً، كان يجب أن يمر عبر الكونغرس ولكان مصحوباً بقرار سياسي. هذا المسار لم يُتّبع… فالولايات المتحدة، على سبيل المثال، أقدمت على توجيه نقاط وتوجيهات لـ86 دولة متحدثة فيها عن حقوق الانسان… ولم تُرِد فيها كلمة واحدة أو إشارة الى اتهام إسرائيل بانتهاك هذه الحقوق. نحن نتحدّث عن شيء اسمه “احتجاج” فقط لا غير.. وأعتقد أنّ الأمر لا يتعدّى كونه افتراق مصالح، ولن يصل الى حد الفراق… لسنا اليوم كما كانت أميركا في عهد دوايت ايزنهاور حين وجه انذاراً لكل من بريطانيا وفرنسا وإسرائيل بعد العدوان الثلاثي على مصر قائلاً: Get out from Egypt، أي اخرجوا من مصر.

نحن الآن في ظلّ نظام دولي جديد يشكّل نوعاً من السيولة، فإدارة بايدن ضعيفة تجاه أوكرانيا وغزّة والصين، فلم تستطع أن تفعل شيئاً أو أن تفرض رأياً… العكس هو الصحيح… نتانياهو المتمرّد يعرف كيف يسيطر على القرار الأميركي… إنه يمارس عملية ابتزاز ضد بايدن على أبواب الانتخابات الأميركية الجديدة في تشرين الثاني/ نوڤمبر المقبل.

أضاف أديب: نحن الآن على حافة الهاوية في صراعات إقليمية، وأمام نظام عالمي في حال سيولة -كما ذكرت- فلا قوة موجودة حالياً قادرة على الحل، بل هناك قوى معطّلة.. نحن أمام طريق مسدود وعقدة صعبة.

في عالم التفاوض هناك:

– فريق يبدأ التفاوض ولا يعرف كيف ينهيه.

– وفريق يعرف كيف ينهي الصفقة..

– أما الفريق الثالث، كما سمّاه عالِم الاجتماع والفيلسوف ابن خلدون، فهو القوّة المتغلبة.. وهو الذييحسم الموقف من أوله الى آخره.

في هذا الجو نحن أمام صراع على تقسيم الكعكة وتقاسم الأدوار.

إشارة مهمة.. إلى إنّ الوضع الاقتصادي العالمي حالياً صعب… فبعد أزمة “كورونا” والأزمات الأخرى، لم تعد أي دولة قادرة على دفع كلفة الحرب المباشرة، أو لم تعد أي دولة قادرة على إرسال قوات الى بلد آخر.

وحدها روسيا أرسلت قوات الى سوريا وإلى أوكرانيا لأنّ الدولة هناك قوية وقرارها موحّد. أما الأمر في الولايات المتحدة فمختلف… فالمواطن الأميركي يعاني من دفع الضرائب الباهظة، ويواجه غلاء الوقود والسجائر والحليب والمواد الغذائية الأخرى، فهو لا يريد أن تذهب الضرائب الباهظة التي يدفعها الى أوكرانيا وإسرائيل وإلى منع المهاجرين على الحدود من الدخول الى أميركا.

وفي سؤاله عن اليوم التالي للحرب، قال أديب: لقد قلت منذ الشهر الأول للحرب إنّ اللعبة لها ثلاثة عناصر:

– اللاعبون

– اللعبة وقواعدها

– الاحتمالات الممكنة.

نبدأ باللاعبين وهم:

* تحالف ديني توراتي – تلمودي في إسرائيل هو الذي يحكم، ولم تشهد إسرائيل مثيلاً له في الماضي.

* “حماس” التي تؤمن بأنّ فلسطين هي مطلبه وهي تمتد من البحر الى النهر.

* إيران: حيث هناك نظام فارسي ديني شيعي.

* حزب الله الذي يؤمن بولاية الفقيه، وينفذ أوامر مرشد الثورة.

هؤلاء اللاعبون تساندهم وساطة أميركية ومصرية وقطرية رغم ان أميركا مؤيدة ومنحازة تماماً لإسرائيل.

أما مصر فإنها تدافع عن أمنها القومي، وتقف بوجه تهجير سكان غزّة الى سيناء. وبالنسبة للأردن فإنّ التركيبة الحالية للسكان هناك تتضرر من هذه الحرب.

* أما اللاعب الأهم حالياً فهو نتانياهو: عقيدته أن تذهب الضحايا وليفشل الوسطاء ولتخرس أميركا بايدن وليذهب الجميع الى الجحيم شرط أن يبقى هو.

والدليل على ما أقول اتفاقية الهدنة الأخيرة… لقد كان نتانياهو يظن أنّ “حماس” سترفضها… وحين قبلتها ادعى انها ليست الاتفاقية التي وافق عليها وأنّ “حماس” وضعت خطوطها ونطاقها. همّه الوحيد إفشال كل الوساطات والاستمرار بالحرب حتى يستمر في الحكم، هو يعلم ان نهايته في إزاحته عن رئاسة الحكومة. كما يعلم ضعف بايدن وإدارته، وأنه بحاجة الى أصوات اللوبي الصهيوني في الانتخابات الأميركية المقبلة. وأشدّد الآن على ان دور مصر في الوساطة جدّي، لأنه الحل قد يمسّ أمنها القومي وهذا ما ترفضه… فهي تحسّ بالخطر، فكما يُقال: كلما كنت في المطبخ وقريباً من النار تحسّ بالحرارة أكثر، فالحالة المصرية حالة مصيرية.

وسُئل أديب: هل هناك “حماس” واحدة أو حماسات؟

أجاب: هناك فرق بين المكتب السياسي لـ”حماس” وقيادة قوات عزّ الدين القسّام… فلكتائب القسّام استقلاليتها الكاملة بشأن الحرب والسلم… فهي جناح عسكري مستقل. وهنا أحب أن أؤكد أنّ الكلمة النهائية في “حماس” هي لاسماعيل هنية ولكن يجب أن تأتي من يحيى السنوار.

وهنا أحب أن أؤكد على 3 دلائل:

– لماذا خرج المكتب السياسي من غزّة؟.. السبب هو ان كتائب القسّام تمسك بكافة المفاصل في غزّة.

– لم يعد لمشعل وهنية قرار.

لا شك في ان هناك خلافات داخل “حماس”… وبخاصة الموقف من إيران.. حتى ان هناك خلافاً حاداً من الموقف مع إيران مع “الجهاد الاسلامي”، التي تعتبر %100 تابعة لولاية الفقيه.

الخلافات داخل “حماس” ليست جديدة على الفلسطينيين. فمنذ العام 1936 والخلافات بين الفلسطينيين أكثر من خلافاتهم مع إسرائيل. وهنا أود الاشارة الى ان الغزاويين حالياً ليسوا كلهم مع “حماس” أو مع فتح… هناك أناس يريدون السلام والعيش بهدوء، وأظن ان اليوم التالي من حرب غزّة سيشهد وجود هذه الفئة الصامتة. وأعتقد ان العنف الاسرائيلي ضد الشعب الفلسطيني هو الذي وحّد ويوحّد الفلسطينيين في غزّة اليوم.

وسُئل: هل ستستمر إسرائيل في غزو رفح حتى النهاية؟

قال: هناك عدّة عناصر تتحكم بالموقف:

1- نتانياهو الذي يريد إطالة أمد الحرب لإطالة حكمه والهروب من المحاكمة والسجن. فهو لا يهتم برهائن “حماس” ولا بسحق الحركة، لأنه مشغول ومهتم ببقائه في الحكم. فهو الآن ملك إسرائيل المتوّج.

ونتانياهو يقع في التناقض… يريد هدنة ولا يريد، يعرقل المفاوضات، حتى قوله إنّ السنوار موجود في رفح بل في خان يونس.

2- وهم بقاء حركة حماس كحركة مقاتلة… فلن تنتهي حرب تظل “حماس” في حركتها العسكرية، ولن يظل نتانياهو في منصبه.

فنهاية الحرب -يقول أديب- end og the game لن تشهد تسوية إقليمية بوجود “القسّام” ونتانياهو والمرشد الايراني وحزب الله، فإنّ عليك تغيير اللاعبين حتى تتغيّر اللعبة.

ورداً على سؤال حول من سيدفع ثمن الإعمار؟

قال: لا أعتقد حالياً ان نهاية الحرب قريبة… فنتانياهو يدرك تماماً أنه سيناور ويستمر في القتال حتى يأتي رئيس أميركي جديد وتُعرف هويته.

وإيران لن تقدم على إنهاء صفقة مع أميركا من دون معرفة هوية الرئيس الأميركي المقبل. وهي لم تنسَ بعد كيف ان ترامب ألغى الاتفاق النووي.

وأميركا نفسها تنتظر هوية الرئيس المقبل حتى تُبْرم اتفاقات جديدة، ولن تقدم أميركا أي مشروع قبل تشرين الثاني/ نوڤمبر المقبل.

وسُئل أديب: هل تحاورت شخصياً مع نتانياهو؟..

أجاب: تحاورت معه خمس مرّات، أربع منها وجهاً لوجه والخامسة عبر التلفزيون في لقاء افتراضي.

لقد لمست أنّ للرجل عدّة مكوّنات في سلوكه:

* انه أوّل رئيس وزراء وُلِد داخل إسرائيل نفسها.

* والده كان متشدّداً برأيه وهو ان الدولة الاسرائيلية هي لليهود فقط. فلا فلسطيني جيّد، ولا يمكن التعاون مع الفلسطينيين ويجب قتلهم.

* شقيق نتانياهو قتل في عملية عنتابي… وهو يعتبر ان قتل الفلسطينيين واجب لأنها عملية ثأر.

عند نتانياهو عقدة نقص… لأنّ زوجته وعبر محاميها أرغمته على توقيع اتفاق بأن يشاركها في كل شيء، حتى انه لا يستطيع حسب الورقة أن يسافر أكثر من ثلاثة أيام، وإلاّ فإنه سيأخذها معه للتشاور معها.

* نتانياهو يكذب أكثر مما يتنفّس.. وهذا أكثر رئيس وزراء يدلي بتصريحات… وهو مخادع… تراه الآن في ذكرى تأسيس دولة إسرائيل يلبس القلنسوة… رغم انه غير متديّن وإن كان متطرّفاً فهو يلعب في كل الاتجاهات.

وختم أديب عن موقف كل من مصر وقطر في الوساطة، فقال: نحن نقوم عبر هاتين الدولتين بنشاط سياسي… وعلينا ألا ننجرّ ونتورّط كي لا نسمح لخطة الصهيونية بالمرور. علينا أن نضبط أنفسنا لأنّ الاستفزاز الاسرائيلي لا حدود له.

وأخيراً، عليك أن تتوقع جهنم الحمراء إذا مُسّ الأمن القومي المصري.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.