غبريل لـ«الشرق»: دوكان أعطى جرعة واقعية وأطلق نداء الى الطبقة السياسية للاستيقاظ

61

كتبت ريتا شمعون

فيما كنا نتوقع من الحكومة ومجلس النواب المصادقة على مشروع موازنة العام 2020 في الاسابيع المقبلة والتي تهدف الى تضييق العجز الى 6في المئة من الناتج المحلي الاجمالي ، انعقدت طاولة الحوار في بعبدا بدعوة من رئيس الجمهورية لتعلن حالة طوارىء اقتصادية لمعالجة اختلالات اقتصادية ومالية ،وجاء من الضفة الاخرى الموفد الفرنسي المكلف متابعة مقررات مؤتمر « سيدر « بيار دوكان ليطلب من السلطات اللبنانية وضع هرمية واضحة لمشاريع « سيدر « وتحديد الاولويات .

كبير الاقتصاديين ورئيس مديرية البحوث والتحاليل الاقتصادية في مجموعة بنك بيبلوس الدكتور نسيب غبريل أجاب على أسئلة «الشرق « فكانت البداية من ورقة بعبدا الاقتصادية فقال :

أولا»، وفي الشكل، ان اجتماع الأحزاب والتيارات الرئيسية بدعوة من رئيس الجمهورية يعكس الإرادة التي تبدو جامعة لمواجهة الوضع المالي والاقتصادي. ثانيا»، وفي الجوهر، يظهر أن الهدف الاساسي من لقاء بعبدا هو تأمين تغطية سياسية واسعة لأي إجراءات قاسية سيتخذها مجلس الوزراء، وليس الهدف نقاش ورقة اقتصادية قُدِّمَت الى الحاضرين في الاجتماع. اذن رؤساء الأحزاب والتيارات السياسية التي اجتمعت في بعبدا ناقشوا بعض الأفكار، وكان لكل جهة سياسية وحزب ورقتها الخاصة وافكارها. ولكن طُرِحَت أفكار توافق عليها خمسة خبراء منتمين الى أحزاب اساسية في اجتماع سابق. وحسب ما تداوله الاعلام، قدّم وزير الاقتصاد ورقة تضمنت أفكاراً وطروحات وإجراءات، منها عناوين عريضة، ومنها إجراءات دقيقة كان قد اتفق عليها هؤلاء الخبراء الحزبيين، ولكن هذا لا يعني انها نالت إجماع كامل الحاضرين. ولكن للأسف، الإجراءات الدقيقة هي بشكل أو بآخر ضرائب، مباشرة وغير مباشرة. ومشكلة هذه المقاربة أن الاستمرار بالتركيز على الضرائب لمحاولة زيادة إيرادات الخزينة من أجل تقليص العجز في المالية العامة، وتجنُّب مواجهة تحدّي تخفيض النفقات العامة بشكل جذري ومن خلال إعادة هيكلة القطاع العام، لن يؤدي الى النتائج المرجوة. وأحد البنود المهمة المدرجة في الورقة، والتي اقترنت بأرقام محددة، هو إقرار خطة متوسطة الأمدّ لتصحيح الخلل في المالية العامة تهدف الى تحقيق فائض أوّلي في الموازنة وتخفيض العجز نسبة الى الناتج المحلّي خلال الفترة الممتدّة من الـ2020 الى الـ2022. وهذه الخطوة هي إحدى توصيات بعثة صندوق النقد الدولي في آذار الماضي، وعدم وجود هكذا خطة كان أحد الأسباب التي جعلت وكالة Fitch Ratings تخفّض تصنيف لبنان الائتماني الى «CCC» الشهر المنصرم.

وتضمنت الورقة عناوين عريضة لم تدخل في تفاصيل تطبيقها مثل «إقرار نظام نقل عام متطور»، و»وضع سياسة إسكانية»، و»إقرار نظام التغطية الصحية الشاملة لجميع اللبنانيين المقيمين» على سبيل المثال لا الحصر. وهذه العناوين العريضة تتداول منذ 25 سنة على الاقل. ولكن، بالرغم من النوايا الحسنة والإرادة التي تبدو جامعة للإصلاح، فإن العبرة تبقى في التنفيذ السريع، إذ لم يعد أحد يثق بالوعود والدراسات والخطط والخطابات والاجتماعات التي يعقدها السياسيون من أجل معالجة الأوضاع الاقتصادية. والدليل على ذلك هو ان أحد مستشاري رئيس مجلس الوزراء قال في مقابلة إذاعية بعد بضعة أيام من لقاء بعبدا انه لا يوجد توافق سياسي شامل على تطبيق الاصلاحات» .

وردا على سؤال حول ما اذا كانت السلطة قد استطاعت من خلال تلك الورقة توجيه المسار الاقتصادي؟

أجاب: لقد استطاع المجتمعون توصيف الوضع المالي والاقتصادي، عوضاً عن توجيه المسار الاقتصادي. وقد تضمنت الورقة المُقَدَّمة من وزارة الاقتصاد هذا التوصيف. كما قدّمت أولويات تتلخص بتصحيح المالية العامة وضبط الدين العام؛ معالجة الخلل في الحساب الجاري؛ وبناء اقتصاد مُنتِج تنافسي واحتوائي، يحقق نموًا مستدامًا بمعدّلات مرتفعة. وكل هذا جيّد، ولكن الأهم هو كيف ستُطَبَّق عمليًا هذه الأفكار، وما هي الإجراءات العملية المواكبة، وفي أية مهلة زمنية ستُطَبَّق، ومتى سيبدأ التنفيذ.

والجدير بالذكر ان المجتمعين أعلنوا «حالة طوارئ اقتصادية»، وهذه خطوة مشكورة، ولكن لم يوضحوا ما معنى هذا الإعلان وبما يبدأ وما هي مفاعيله. فإذا كان هذا الإعلان سَيُتَرجَم بإعطاء التحديات المالية والاقتصادية أولوية الطبقة السياسية القصوى، فهذا ممتاز. أما إذا جاء هذا الإعلان للاستهلاك الإعلامي، وإذا لم يُقتَرَن بأفعال ملموسة على الأرض تؤدي الى احداث صدمة إيجابية في الأسواق المالية والتجارية، وتُقنع القطاع الخاص في لبنان والمواطن اللبناني، وتبعث إشارات إيجابية الى المجتمع الدولي ووكالات التصنيف، فلن يكون لهذا الإعلان صدقية أو صدى إيجابي. إذًا، يجب أن يقترن هذا الإعلان بأفعال لا بأقوال، وبأفعال جدية، بالعمق وملموسة. إذ أن الاقتصاد اللبناني بحاجة إلى حوافز ضرائبيّة عوض عن تكبيله بأعباءٍ إضافيّة، كما حصل مع قانون الضرائب الذي اقر في الـ2017 و بدأ تطبيقه في الـ2018 والذي أدّى الى إعادة توزيع ضخمة للدخل من القطاعات المنتجة و الاسر و الافراد الى القطاع العام. وهذا ما نتج عنه ازمة سيولة في الأسواق التجارية وفي الاقتصاد وادّى الى الركود الحالي للاقتصاد اللبناني. كما هناك ضرورة ملّحة لتخفيض العجز في الموازنة العامة من خلال إجراءات إضافية جذرية في موازنة الـ2020 وعدم الاكتفاء بالتدابير الخجولة لخفض النفقات الواردة في مشروع موازنة السنة الحالية.

وسئل :هل صحيح أنّ لبنان أمام مهلة قصيرة ليثبت قدرته على مواجهة التحديات الاقتصادية والمالية؟

اجاب :إن الهدف من لقاء بعبدا هو تأمين تغطية سياسية واسعة لأي إجراءات قاسية سيتخذها مجلس الوزراء. وبما أن الطبقة السياسية لا تكفّ بمعظمها عن التهويل باقتراب الإفلاس المالي والانهيار الاقتصادي، وبمناداة اللبنانيين الى التضحية من أجل انقاذ الوضع، فيجب أن يقترن هذا الكلام بتطبيق فعلي وجدّي لخطّة إنقاذية تبدأ بتضحيات من قبل الموجودين في السلطة التنفيذية والسلطة التشريعية، ابتداءً بتقليص رواتبهم ومخصصاتهم، وتحجيم وإعادة هيكلة القطاع العام، وإغلاق أو دمج 93 مؤسسة عامة وهيئة مستقلة وصندوق انتفت جدواهم ولا عمل لهم، وإلغاء ألوف الوظائف الوهمية، وعدم تجديد عقود آلاف أخرين من الذين دخلوا الى القطاع العام من دون علم أو موافقة مجلس الوزراء، وإغلاق أبواب الهدر، ومكافحة الفساد بالأفعال وليس فقط في النصوص.

1 Banner El Shark 728×90

والخطوة التالية يجب أن تكون إقرار اللامركزية لإنتاج الكهرباء وإعطاء رخص انتاج لشركات خاصة تقدمت بطلبات حسب الأصول وبناءً على القانون الذي أقرّ في الـ2014 ولم توافق وزارة الوصاية بعد على هذه الطلبات. والخطوة الثالثة يجب أن تركّز على تحفيز الحركة الاقتصادية من خلال تحسين المناخ الاستثماري وتطوير بيئة الأعمال وروفع مستوى تنافسية الاقتصاد اللبناني وتخفيف الأعباء التشغيلية عن كاهل القطاع الخاص، بدل الاسترسال بفرض ضرائب جديدة مباشرة وغير مباشرة على المواطن وعلى الشركات العاملة في لبنان، وإنهاك الاقتصاد بحجم فضفاض للقطاع العام، وبإهمال للبنى التحتية المتردية، وبتغليب المصالح الفئوية على المصلحة العامة. وهذا يبدأ بإعطاء الأولوية الى القطاع الخاص والالتزام بهوية لبنان الاقتصادية التي تعتبر تاريخيًا أن القطاع الخاص هو مصدر النمو والعجلة الاقتصادية، وفرص العمل، وليس القطاع العام.

ولكن نرى أن اهمال السلطة السياسية للقطاع الخاص وتغليب المشاريع السياسية والفئوية أديا الى تضخم وانفلاش القطاع العام مقابل تراجع وتقلّص دور القطاع الخاص. وإذا كان هناك هدف واضح لإعلان حالة الطوارئ الاقتصادية فيجب أن يكون الحفاظ على هوية لبنان الاقتصادية من خلال إعادة الأولوية للقطاع الخاص كونه المحرك الأساسي، لا بل الوحيد، للاقتصاد، ومساندته من قبل القطاع العام من خلال إزالة العوائق من أمام أعماله، وتطوير القوانين، وخلق بيئة أعمال مشجعة للاستثمارات والمشاريع، وابتعاد القطاع العام عن احتكار وإدارة قطاعات اقتصادية أساسية مثل الكهرباء والاتصالات والمياه والنقل العام. إذًا هذا هو التحدّي الاقتصادي والمالي الأساسي الذي يجب أن يواجهه بكل جدّية المسؤولون، والذي كان يجب أن يكون أولويتهم منذ عدة سنوات.

سئل :هل نجح المبعوث الفرنسي بيار دوكان في مهمته الأخيرة خلال زيارته إلى لبنان؟

اجاب : كان دوكان واضحًا جدًا خلال زيارته الأخيرة الى لبنان. وأستطيع القول أنه نجح في إعطاء «جرعة واقعية» وأطلق «نداء للاستيقاظ» الى الطبقة السياسية بما يخص عدم انتظار أعجوبة لتغيير الوضع الاقتصادي والمالي، وبعدم الاسترسال بأحلام اليقظة بما يخص إيرادات النفط والغاز التي يتوقعها بعض السياسيين. وركز على ضرورة تطبيق الإصلاحات البنيوية والمالية والهيكلية والقطاعية لتبدأ الدول والمؤسسات التي شاركت في مؤتمر CEDRE بالإفراج تدريجيًا عن الأموال التي رصدتها من أجل تمويل مشاريع إعادة تأهيل البنى التحتية في لبنان.

ومن الواضح أن المجتمع الدولي، وليس فقط فرنسا، ينتظر تخفيض عجز الموازنة في الـ2019 ليس فقط ورقيًا، ولكن فعليًا. كما ينتظر بدء الإصلاحات الهيكلية، ابتداءً من اصلاح قطاع الكهرباء الذي يشكّل عبئًا على المواطن والقطاع الخاص اللبناني، قبل أن يكون عبئًا على الخزينة وعلى المالية العامة. وفي هذا الإطار جاءت الإشارات واضحة من المجتمع الدولي عموما» و من السفير دوكان خصوصا من حيث   ضرورة تأسيس الهيئة الناظمة لقطاع الكهرباء وتعيين مجلس إدارة جديد لمؤسسة كهرباء لبنان كمؤشرات على شفافية عملية اصلاح القطاع، وكل تأخير في هذا المجال هو إشارة سلبية عن الجدّية في تطبيق معايير الشفافية في المشاريع المتعلقة في قطاع الكهرباء.

اما بالنسبة للنظرة المستقبلية، فان الجميع في لبنان والخارج بانتظار تبيان مدى جدية السلطات اللبنانية وصدقيتها في تطبيق الاجراءات التي من شأنها تخفيض النفقات وتحسين الإيرادات من اجل تقليص العجز العام وحاجات الدولة للاستدانة. وان هذا الانتظار ينسحب على القطاع الخاص وتحديدا القطاع المصرفي في لبنان، كذلك على المواطن اللبناني، كما على المجتمع الدولي والدول والمؤسسات التي شاركت في مؤتمر سيدر والتي تعهدت بـ11.8 مليار دولار للبنان، اضافة الى وكالات التصنيف العالمية. وبقدر ما ستكون هذه الاجراءات جدّية بقدر ما ستشكل «صدمة إيجابية» للأسواق المالية وللقطاع الخاص وللمجتمع الدولي، وبقدر ما ستكون سطحية بقدر ما ستعكس عدم صدقية السلطة الحاكمة وستبقي الوضع على ما هو عليه».

وقيل له :أصدرت وكالة التصنيف العالمية Standard & Poor’s بعد أيام قليلة من تقريرها الأخير بيانًا خصصته للإحتياط النقدي في لبنان وقالت في البيان إن النزيف النقدي إذا استمرّ على ما هو عليه قد يواجه لبنان صعوبات مالية جمة، ما هو تعليقكم؟

إن الضجيج الذي استبق تقييم وكالة ستاندرد أند بورز في 23 آب قابله ضجيج ومبالغات مماثلة عندما نشرت الوكالة توضيحاً عن رقم احتياطي العملات الأجنبية لدى مصرف لبنان الذي يستطيع استخدامه (usable reserves). ولم يأت التقرير الثاني بأي جديد، بل جاء ملحقًا للتقييم الأساسي لإيضاح بعض النقاط التي تضمنها تقييم 23 آب. وأوضحت الوكالة مجدّدًا العوامل والقرارات التي يمكن أن تقنعها بتعديل تصنيفها الائتماني، والتي كانت معروفة أصلًا، وتتلخص بخفض العجز في موازنة الـ2019، وإصلاح قطاع الكهرباء، وتدفق واستخدام بعض القروض الميسرة التي تعهدت بها الدول والمؤسسات المشاركة في مؤتمر CEDRE، أو الحصول على دعم مادي من دول مجلس التعاون الخليجي.

ولكن ذلك يتطلب إرادة سياسية جامعة للبدء بتطبيق الإصلاحات المالية والبنيوية، وبدوره، يتطلب ذلك تغييراً جذرياً في الذهنية القائمة، والنهج المستشري حاليًا، والآداء غير المقنع للسلطة السياسية. والرسالة التي وجهتها الوكالة الى المعنيين في لبنان، هي أن الاعتماد بشكل كلّي على مصرف لبنان وعلى الاحتياطي بالعملات الأجنبية لتمويل حاجات الدولة للاستدانة لا يمكن أن يستمرّ. اذ أن القطاع المصرفي بشقيه، أي المصارف التجارية ومصرف لبنان، تحمّل منذ 25 سنة مسؤولية الاستقرار النقدي، واستقرار المالية العامة، والاستقرار الاقتصادي، والأهم الاستقرار الاجتماعي في غياب أي سياسات مالية واقتصادية. لذلك، حان الوقت أن تتحمل السلطة التنفيذية والسلطة التشريعية ولو جزءاً من هذه المسؤولية من خلال تخفيض حاجات الدولة للاستدانة والتطبيق الجدي للإصلاحات المالية والبنيوية.

اذا»، الطريقة الأفضل للتعاطي مع وكالات التصنيف وإقناعها برفع التصنيف الائتماني للبنان، هو بالعمل الدؤوب والجدّي على تقليص العجز في الموازنة العامة وتخفيض حاجات الدولة للاستدانة واتخاذ إجراءات لتحفيز النمو الاقتصادي وتشجيع تدفق رؤوس الأموال والاستثمارات. وهذا ما ينادي به القطاع المصرفي اللبناني منذ سنين عديدة. وإذا رأت وكالات التصنيف منحى مستمرّاً في هذا الاتجاه، وتقلّص في نسبة عجز الموازنة العامة الى الناتج المحلي وتراجع في نسبة الدين العام الى الناتج المحلي بشكل مستمرّ، فإن الوكالات ستغيّر أولًا نظرتها المستقبلية للتصنيف الائتماني للبنان من «سلبي» الى «مستقرّ» ومن بعد ذلك من «مستقرّ» الى «إيجابي». وفي وقت لاحق سترفع التصنيف الائتماني للبنان من مستوياته الحالية. لذلك، بدل انتظار معجزة اقتصادية لإنقاذ الوضع كما يخيل لبعض السياسيين، على المسؤولين إثبات جديتهم وصدقيتهم بتطبيق الإصلاحات البنيوية من خلال إجراءات ملموسة تؤدي الى نتائج واضحة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.