فالج لا تعالج

122

«مَن جرّب المجرّب كان عقله مخرّباً»… هذا المثل أكثر ما ينطبق على واقعنا في لبنان، فالتجربة أثبتت أنّ الرئيس ميشال عون لا يمكن أن يتغيّر… فهو لا يتصرّف إلاّ وفق ما يريد.

لقد كان في تقدير الكثيرين أنّ الرجل سيتغيّر عندما يصل الى سدّة الرئاسة، لأنّ القسم الرئاسي وموجبات المنصب ومتطلباته لا بدّ ان تفعل فعلها فتقتضي نهجاً مختلفاً يوازي المسؤولية وتعاظم دورها، وبالتالي يكون الرجل قد حقق حلمه في الوصول الى الموقع الأعلى في الجمهورية، وهو سينصرف الى إجراءات وسلوك وتدابير تؤدّي الى إنقاذ بلده وتحقق مصالح الشعب الذي وصفه في ندائه الشهير «يا شعب لبنان العظيم».

ولكن الواقع أثبت أنّ الشعب العظيم فعلاً في وادٍ والرئاسة في وادٍ آخر، وإلاّ كيف نفسّر تحالف الرئيس مع «حزب الله»، حزب ولاية الفقيه، الذي كان يقول عنه إنّه يشكل الخطر الأكبر على لبنان؟

وكيف نفسّر ما انتهى به الأمر على خلاف مع الولايات المتحدة الأميركية واستعدائها، وهو الذي قصدها من باريس، وتحدّث أمام مجلس الشيوخ شاكياً النظام السوري الذي قال عنه إنّه يحتل لبنان داعياً الى إنهاء وصايته عن هذا البلد… والمفارقة أنه أصبح أحد أبرز رموز حلفاء هذا النظام.

وكان العماد عون يطالب بلبنان سيّد حر مستقل، وكان لمؤيديه دور لافت في المدّ الجماهيري الكبير الذي أعقب استشهاد الرئيس المرحوم رفيق الحريري…

وإذا بهذه الشعارات كلها تصبح من الماضي المنسي أو المتناسى… وكأنها اختفت بـ»مسحة رسول».

وكم كان الأمر يدعو الى الدهشة والذهول عندما رأيناه يقوم، إثر عودته الى لبنان، بزيارة الى النظام السوري في دمشق، من دون أن يرف له جفن…

وكم هو لافت ومذهل أن يكون الجنرال عون قد نسي أو تناسى تحذيراته من الخطر الفارسي على لبنان وخطر التشيّع أيضاً.

واليوم، ومنذ 50 يوماً، يعاني لبنان أكبر مشكلة في تاريخه الحديث، ويشهد أخطر انتفاضة شعبية… إنها ثورة حقيقية. صحيح انها ليست وليدة السنوات الثلاث الأخيرة، ولكن نهج الحكم، في هذه السنوات، هو الذي ألهب المشاعر وأجّج الغضب في القلوب، وشحن النفوس ضدّ الفساد والعجز والبطالة والفقر والجوع والقهر والحرمان، فانتفض الشعب ثائراً موحّداً، متجاوزاً الحواجز الطائفية والمذهبية والمناطقية والقبلية والإنتماءات السياسية، رافعاً الشعارات الواحدة، مستظلاً العلم الواحد، علم الأرز: العلم اللبناني وحده لا غير…

والمشكلة أنّ تعامل فخامته مع هذه الحالة الحيوية الصادقة النابضة بالحياة، وكأنها تحدث في عالم آخر…

فيا فخامة الرئيس لا شك في أنّ البلد في المأزق… وعساك تبادر الى خطوات إستثنائية ليس فقط تجاوباً مع إرادة الناس وتحقيقاً لآمالها وطموحاتها، بل أقله من أجلك من أجل ماضيك، خصوصاً من أجل ما يكون عليه حكم التاريخ.

عوني الكعكي

aounikaaki@elshark.com

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.