فوارق، الإستحقاق الرئآسي الإيراني والإستحقاق الرئآسي اللبناني

44

بقلم د. باسم عساف
الفاجعة التي حلَّت بإيران وذهب ضحيتها رئيس الجمهورية ووزير الخارجية، وأيضاً عدداً من المسؤولين المرافقين على متن طوافة رئآسية خاصة، وهي تعتبر من أفضل الطوافات الآيرانية المخصصة لولي الفقيه المرشد، ولرؤساء البلاد، وبالتالي تخضع للتفتيش الدقيق والمتابعة المستمرة بالصيانة والرقابة والتواصل، وهذا ما نقل عما جرى في طريق سيرها مع الطائرتين الآخرتين، اللتين وصلتا بسلامٍ إلى مقصد هبوطها، وأن المسؤولين فيها، قد أفادوا بأن الأجواء والغيوم والغبار، لم تكن عائقاً من مواصلة الطيران، ولكنهم وجدوا أن طائرة الرئيس، قد إتخذت مساراً أعلى في تقدمها لتفادي الغيوم، وبعدها فقِد الإتصال بها ولم يعرفوا مصيرها، إلى أن تمَّ إكتشاف مكان سقوطها في غابةٍ كثيفةٍ بمنطقةٍ واعرةٍ وصعبة الوصول إليها، مع التأخير بإكتشافها، وإللحاق بإنقاذ من فيها عند سقوطها وتحطمها، ولم يتم ذلك إلا بعد الإستعانة بفرق إنقاذية من روسيا وتركيا.
هذه المعلومات والتقارير الواردة من موقع السقوط، ومن التقارير الرسمية الواردة من طهران، قد رسمت علامات الإستغراب والتساؤل، عن الكثير مما يثير النفوس؟؟ من إستعراض تسلسل نشر الأخبار، وعن إعطاء الصورة الحقيقية مما جرى لهذه الطوافة بالذات، دون غيرها، في مسيرة العودة الواحدة لثلاث طائرات، قد وصلت منها إثنتان، بأمان وسلام، وهم أنفسهم الذين صرَّحوا بأن الأجواء والطقس، لم يكن عائقاً من المتابعة، والدليل على ذلك، وصولهم لمكان العودة دون أي عائق.
لا شك بأن مقتنصي الفرص، والذين يصطادون بالماء العكر، والحاقدين والحاسدين، والشامتين كثر، خاصّةً في مثل هذه الظروف العصيبة، وفي خضم المواجهات وإثارة الغرائز والعصبيات، التي ترتسم على وجوه الكثير من الناس والدول والمنظمات، وكلُّ من له مصلحة في إنقلاب الصورة، التي تخدم الأعداء، حيث تنشر الإشاعات والأقاويل والأقلام المأجورة، التي تنغمس في الحرب النفسية، والتي تكثر فيها الإضطرابات العصبية، لتصب في قاعدة 🙁 الغاية التي تبرر الوسيلة )، وهؤلاء هم أصحاب الغايات السود الذين يفتكون بالبشرية إمعاناً بالإفساد حتى تتحقق غاياتهم بالفساد.
مهما كانت الأمور التي تتجه سلباً أم إيجاباً ، فإن الحقائق لن تضيع وإن طال تغييبها، بتأخير نتائج التحقيقات أو جلاء الصورة عن كيفية حدوث هذا الزلزال الفاجعة، الذي هزَّ مشاعر العالم، وليس الشعب الإيراني فقط، حيث أن الأعصاب مشدودةٌ لمعرفة أين يتجه العالم، بالإنقلاب الكبير في التعاطي مع القضية الفلسطينية، وأحقية شعبها في تقرير مصيره، من بعد إغتصابِ وإحتلالِ الكيان الصهيوني لأرضها عنوَةً، مع ما يجري لشعبها من مجازر قد أدمت القلوب، ولتأتي هذه الحادثة الأليمة، فتصبَّ الزيت على النار، وتزيد من إحتقان النفوس، والتربص لأحداث أكبر في المنطقة ككل، خاصةً إذا ما جاءت نتائج التحقيقات، لتدل عن تدخلٍ خارجيٍ أو المشاركة والتسبب بسقوط الطائرة، أو إستهدافها قصد زعزعة الوضع الإيراني والإقليمي عامة.
إن طبيعة النظام الإيراني وإعتماده للمرجعية الدينية بالمرشد العام والولي الفقيه، مع توزيع المسؤوليات المُحكَمةِ بين أركان الثورة والدولة، تجعل من رئآسة الجمهورية والحكومة، ورقةً ممسوكةً ومقيدةً بيد القيادة الدينية ومجلس الإشراف على الدستور والحرس الثوري، ومن هنا يبدو أن الإطمئنان لمجرى الأمور والتواصل بعملية إنتخاب رئيسٍ جديدٍ وحكومةٍ بديلةٍ، تندرج في السياق الطبيعي لتداول السلطة، وملء الفراغ الحاصل، تماشياً مع الدستور الذي يحدد المدة الزمنية القصوى لإنتخاب البديل ب: خمسين يوماً، وقد تم التحديد الفوري للإنتخاب الشعبي العام بتاريخ /٢٨ الشهر القادم، والإنتخاب محسوم ليقول الشعب كلمته من دون تسويف ولا تأجيل، ولا تهريب للنصاب وفق الألعاب البهلوانية اللبنانية.
إن صدور التحقيقات للحادثة الأليمة قبل عملية الإستحقاق الإنتخابي، قد تكون له أهمية كبرى في إتجاه النتائج، التي تحدِّد وجهة الرئيس الجديد، لأن الحادثة إن كانت مفتعلة والقصد منها إزاحة سياسة الرئيس رئيسي المتشددة، وتعاطيها مع القضية الفلسطينية والمنطقة بحزم، أو سطوع نجمه وتألقه داخلياً، أو لتقلبات في السياسة الإيرانية في أحلاف وإتفاقات خارجية، أم أن الحادثة تكون قضاءً وقدراً، والنتائج تعود للطبيعة والظروف المناخية، التي لا تؤجِّج الصراع الخارجي والداخلي، بل تزيد العطف عل مساره وسياسته، ليأتي الرئيس العتيد، مشابهاً له فيكمل مسيرته ومسيرة النظام الإيراني، المتوسع جغرافياً وسياسياً وأمنياً، ليكون لاعباً أساسياً في تسويات المنطقة الإقليمية.
من هنا نشهد التأثير الكبير للنظام الإيراني، الذي يتجه بتصدير الثورة إلى المنطقة، وتحقيق الغاية الدينية منها، لتعم بفكرها كل البلدان والمناطق التي تناصرها وتؤيد مسارها ومسيرتها، لتكون تحت رايتها وقيادتها بولاية الولي الفقيه، الذي يقود الثورة وليس إيران الجغرافية فقط، ولذا نجد أن لبنان بات من ضمن إمتداد الثورة وفكرها ومسارها الديني، ودخوله في معترك الحرس الثوري، الذي يشرف على تصدير الثورة وإمتداداتها الإقليمية، وهذا ما نراه في السياسة اللبنانية، التي باتت تسير في هذا الإتجاه، وتؤثر على كل المناحي السياسية والأمنية والإقتصادية، وحتى كل المفاصل الإدارية والتوظيفية، في مؤسسات الدولة وأجهزتها وسلطاتها التشريعية والتنفيذية والقضائية، وهو الذي يزيد الشرخ مع المكوِّنات الأخرى لهذا البلد المركب، تركيباً دقيقاً طائفياً ومذهبياً، ولا يتحمل أي خلل في التوازنات والإتجاهات، التي ترتبط دينياً وفكرياً وعقائدياً مع دول أخرى، متناقضة ومواجهة للنظام الإيراني ومقصد ثورته..
إن التشبه اللبناني بالنظام الإيراني، من حيث التماسك والتشدد نحو تطبيق الدستور والتشابك بالمسؤوليات وتنوعها، ليزيد من التضامن والتعاون، للحفاظ على النظام والقيادة التي تعمل جاهدةً لإبراز القوَّة والمنعة في تحقيق الغاية المرجوة، وبكل جرأة ومثابرة وثبات على المبادئ العليا للنظام، لهو فألٌ حسنٌ، وتشبهٌ جيِّدٌ إن سلك درب التجرد من الإنحياز الديني والفكري المتَّبع، حتى لا تدخل الفتن الطائفية والمذهبية في التطبيق، بحيث تهتزُّ التركيبة اللبنانية الهشّة، المبنِيَّة على المصالح الغربية منذ الإحتلال الفرنسي، عقب الحرب العالمية الأولى وإعلان دولة لبنان الكبير، إلى الوصاية الأميركية التي نشهد آثارها حتى إعداد هذا المقال.
المراد من هذا التشبُّه بسلوك درب التمسُّك بالنظام والدستور، الذي يُفرج عن التوافق، والإتجاه الذي يرضي الجميع من خلال الدستور، الذي وُضع وتم الإتفاق على بنوده لإيجاد المخرج الملائم، خاصةً في التركيبة المتنوعة، والمشكَّلة من كافة أطياف المجتمع اللبناني بكل فئآته.
المهم هنا، تطبيق الدستور، الذي جاء واضحاً مع نتائج مؤتمر الطائف، ولكن الأهواء والنزوات، التي تنظر بعينٍ واحدةٍ ومتجهةٍ للخارج دوماً، تزيد إمعان الثغرات في تطبيق الدستور هي الغالبة، في التطبيق والإنحراف نحو المصالح الخاصة على حساب المصلحة العامة.
مثالنا اليوم بالدستور الإيراني، الذي يحدِّد مدةً زمنيةً قصوى لإجراء يوم الإنتخاب، لا تزيد عن /٥٠ يوماً من الفراغ، ومن دون مراوغةٍ أو تسويفٍ أو تمريرٍ للوقت، الذي يضرُّ بمصالح البلاد والعباد، ومن دون أن يرفَّ للمسؤولين أي جفن، بما يحدث للشعب اللبناني من مآسي ونكبات، تزيد من همومهم ومن أزماتهم المتراكمة.
وعليه وجب الإقتداء بما يجسِّد مصالح الناس، وخاصةً لمواطني هذا الوطن، الذي لا يزال يجمع كل الأطياف والعائلات اللبنانية، قبل أن بفلت عقالها وتنحو نحو حبِّ الذات والحكم الذاتي، الذي يفرح الأعداء ويحقق غايتهم بتقسيم البلاد وفق خارطة الطريق المبنية على كانتونات الطوائف والمذاهب والعنصرية.
فوجوب ألا يخسر لبنان الدستور والرئآسة والوطن والشعب الواحد الموحد، هو الأساس، وهنا مكمن العلَّة بالتشبه والتمسُّك بالنظام والدستور، والمفارقات كثيرة من حيث المبدأ والتطبيق، بين مسار الإستحقاق الرئآسي الإيراني، وبين مسار الإستحقاق الرئآسي اللبناني.
د. باسم عساف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.